إعلان
980×90
مساحة إعلانية
تحليل

من يقف خلف دعوات اقتحام سبتة وإشعال الاحتجاجات في المغرب عشية الانتخابات ؟

02:00 · 21/09/2026

فتيحة شاطر

دعوتان للاحتجاج ظهرتا في توقيت متقارب وحساس؛ الأولى تحث على محاولة دخول مدينة سبتة المحتلة يوم الانتخابات التشريعية، والثانية تدعو إلى ثلاثة أيام من التظاهر رفضًا لتوجه المغرب نحو إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.

ظاهريًا، تبدو الدعوتان منفصلتين، لكل واحدة منهما أسبابها وشعاراتها. لكن التوقيت وطريقة الحشد والجهات المستفيدة تفرض البحث عما يوجد خلف الصورة: من اختار يوم الانتخابات موعدًا للتحرك نحو سبتة؟ ومن يسعى إلى نقل الخلاف حول العلاقات المغربية الإسرائيلية من نقاش سياسي مشروع إلى اتهام الدولة المغربية بالخيانة؟

تتجه الأنظار يوم 23 شتنبر إلى صناديق الاقتراع، حيث يختار المغاربة ممثليهم في انتخابات تشريعية جديدة. ورغم النقاش القائم حول النظام الانتخابي ومدى الحاجة إلى التصويت على الأشخاص بدل الاكتفاء باللوائح الحزبية، يظل هذا اليوم محطة وطنية يفترض أن تنصب فيها الأنظار على العملية السياسية ونتائجها.

اقرأ أيضاً: اجتماع الجنرالات السري في ألمانيا… هل تُسلّم واشنطن أمن الخليج لإسرائيل؟

لكن وسائل إعلام إسبانية تحدثت عن رصد رسائل وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى محاولة دخول جماعي إلى مدينة سبتة في اليوم نفسه. وتعيد هذه الدعوات إلى الأذهان تحركات سابقة عند الحدود، من بينها دعوات لم تحقق أهدافها خلال الأسابيع الماضية.

اختيار يوم الانتخابات ليس تفصيلًا عابرًا. فأي اضطراب على حدود سبتة خلال ذلك اليوم سيمنح خصوم المغرب مادة جاهزة لتشويه الاستحقاق الانتخابي، وتصوير الدولة وكأنها عاجزة عن ضبط حدودها أو منشغلة بإدارة أزمة أمنية بدل تأمين العملية الانتخابية.

كما يمكن استغلال المشهد لإعادة ترويج الاتهامات التي ظهرت في إسبانيا بعد محاولات سابقة للدخول إلى المدينة المحتلة، حين سعت أصوات سياسية وإعلامية إلى الإيحاء بوجود دور للأجهزة المغربية في تنظيم التحركات أو التغاضي عنها.

بهذا المعنى، قد تتحول الدعوة إلى أداة لزرع توقيع مزيف يحمل بصمات المغرب. يقع التحرك في يوم وطني حساس، ثم تبدأ حملة سياسية وإعلامية تتهم الرباط باستخدام المهاجرين والحدود للضغط على مدريد، من دون تقديم أدلة تثبت تلك الاتهامات.

وتحدثت تقارير إسبانية عن صفحات إلكترونية تروّج لدعوات تحت شعار «الهجرة الجماعية إلى سبتة»، مشيرة إلى وصول بعضها إلى جمهور واسع. كما أكدت أن تداول الموعد لا يعني بالضرورة نجاح الدعوة أو تحولها إلى تحرك ميداني واسع، خصوصًا في ظل استعداد السلطات المغربية والإسبانية.

غير أن أهمية هذه التقارير لا تتعلق فقط باحتمال وقوع محاولة جديدة، بل باللغة المستخدمة في تقديمها وربطها المباشر بالانتخابات المغربية. فإسبانيا تريد أن تجعل أي تحرك عند الحدود جزءًا من صورة سياسية أوسع، عنوانها أن المغرب يستخدم الهجرة سلاحًا في خلافاته مع مدريد.

وفي الوقت نفسه، تحرك حزب «فوكس» الإسباني مطالبًا بوقف منح التأشيرات للمغاربة، بما فيها تأشيرات الدراسة والعمل، إلى أن تعترف الرباط بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية.

لا يتعلق الأمر هنا بمكافحة الهجرة غير النظامية، بل بمحاولة ابتزاز دولة كاملة ودفعها إلى التنازل عن موقفها التاريخي. المطلوب، وفق هذا المنطق، أن ترفع الرباط الراية البيضاء، وأن تعترف بأن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان مقابل استمرار حصول المغاربة على التأشيرات.

ويجري بالتوازي نقل قضية سبتة ومليلية تدريجيًا من إطارها المغربي الإسباني إلى الإطار الأوروبي، إذ تعمل مدريد على تكريس المدينتين باعتبارهما حدودًا خارجية للاتحاد الأوروبي. وكلما نجحت إسبانيا في إدخال بروكسل ووكالة حماية الحدود الأوروبية في الملف، أصبحت مواجهة الاحتلال الإسباني أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى المغرب.

لقد ظهر الموقف الأوروبي بوضوح عندما سارعت مؤسسات الاتحاد إلى مساندة مدريد، وقدمت حدود سبتة باعتبارها حدودًا أوروبية. وبذلك لم تعد إسبانيا تتحدث وحدها، بل أصبحت تحتمي خلف الاتحاد الأوروبي لتثبيت الأمر الواقع.

واللافت أن بعض وسائل الإعلام الإسبانية نسبت التحريض الإلكتروني إلى جهات روسية وإسرائيلية. لكن إدخال موسكو وتل أبيب في كل مرة لا يجيب عن السؤال الجوهري: من المستفيد المباشر من إثارة الفوضى عند حدود المغرب في يوم انتخاباته؟

المستفيد الأول هو الطرف الذي يريد إحراج الرباط وإلصاق تهمة توظيف الهجرة بها. والمستفيد الثاني هو الطرف الذي يخشى ظهور حكومة مغربية قوية ومنسجمة وقادرة على تشديد موقفها في القضايا الترابية والاستراتيجية.

اقرأ أيضاً: كولومبيا تطوي صفحة بيترو وتعيد بوصلتها نحو المغرب من رهان البوليساريو إلى الاعتراف بالسيادة المغربية

وهنا يبرز تقاطع المصالح بين إسبانيا والجزائر. فالبلدان يختلفان في ملفات كثيرة، لكنهما يلتقيان عند الرغبة في احتواء صعود المغرب ومنعه من تعزيز مكانته قوةً إقليمية.

تحتل إسبانيا سبتة ومليلية وعددًا من الجزر والصخور المغربية، بينما تحتفظ الجزائر بالصحراء الشرقية التي اقتطعتها فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية وألحقتها بالتراب الجزائري قبل رحيلها.

لقد ترك الاستعمار الحدود مفتوحة على النزاعات، كما فعلت بريطانيا بين الهند وباكستان، حيث ظل ملف كشمير مصدرًا دائمًا للتوتر بين قوتين نوويتين. إنها الطريقة نفسها التي استخدمتها القوى الاستعمارية في مناطق مختلفة: الرحيل من الأرض مع ترك نزاع يضمن استمرار الصراع بين شعوب المنطقة.

وتجد إسبانيا والجزائر مصلحة مشتركة في الحفاظ على الوضع القائم. مدريد لا تريد مغربًا قويًا قادرًا على إعادة ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة، والجزائر لا تريد مغربًا يعزز موقعه الدبلوماسي والاقتصادي ويثبت سيادته على أقاليمه الجنوبية ويطالب بحقه التاريخي في الصحراء الشرقية.

لقد راقب الطرفان مسار الشركات المغربية، واتساع الاستثمارات، وتطور البنية التحتية، وتزايد الحضور المغربي في إفريقيا والعالم. ويكشف مسار المملكة أنها تتجه نحو مزيد من القوة وتثبيت موقعها الإقليمي، وهو ما يفسر تصاعد محاولات الضغط والتشويش.

بعد يومين من الانتخابات، تظهر دعوة أخرى لتنظيم احتجاجات متواصلة على مدى ثلاثة أيام رفضًا لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين المغرب وإسرائيل، بما يشمل فتح سفارتين في الرباط وتل أبيب.

من حق أي مغربي أن يرفض هذه العلاقات وأن يعبّر عن موقفه بالوسائل السلمية والقانونية. حرية التعبير والاحتجاج لا ينبغي أن تكون موضع نقاش، ولا يجوز تخوين المواطنين بسبب اختلافهم مع قرار سياسي أو دبلوماسي.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول شعار الاحتجاج من رفض قرار سياسي إلى اتهام المغرب بالخيانة. فعندما يرفع البعض شعار «التطبيع خيانة»، يكون السؤال ضروريًا: خيانة لمن؟ وكيف يصبح قرار سيادي بين دولتين خيانة لطرف ثالث؟

المغرب دولة مستقلة تتخذ قراراتها الخارجية بناءً على مصالحها وحساباتها الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. ويمكن مناقشة هذه القرارات ونقدها، لكن وصف الدولة بالخيانة لأنها اختارت إقامة علاقات مع دولة أخرى ينقل النقاش من السياسة إلى محاكمة وطنية وأخلاقية غير متوازنة.

دول إسلامية وعربية عديدة تقيم علاقات عميقة مع إسرائيل، وبعضها يستقبل المسؤولين الإسرائيليين رسميًا ويفرش لهم السجاد الأحمر. ومع ذلك، لا تشهد شوارعها الاحتجاجات نفسها، ولا تُتهم حكوماتها بالخيانة بالطريقة التي يجري بها استهداف المغرب.

والأكثر إثارة للتساؤل أن الفئات المستعدة للخروج ضد القرارات المغربية لم تتحرك بالقوة نفسها عندما تحدثت إسبانيا عن تجنيس عشرات الآلاف من الصحراويين، أو عندما اتهم البرلمان الأوروبي المغرب بشن «حرب هجينة» باستخدام المهاجرين.

ولم تخرج المسيرات عندما استُخدم تعبير «الغزو» لوصف دخول مهاجرين مغاربة إلى سبتة. وكلمة الغزو ليست بريئة، لأنها تستعمل عادة لوصف دخول قوة تسعى إلى السيطرة والاحتلال، لا شبانًا يحاولون العبور بحثًا عن حياة أفضل.

كما لم يظهر الحشد نفسه عندما طالب البرلمان الإسباني المغرب بعدم التشكيك في السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، أو عندما أعلنت بروكسل بوضوح وقوفها خلف مدريد واعتبرت المدينتين جزءًا من الحدود الأوروبية.

لماذا تنطلق الاحتجاجات بقوة عندما يمارس المغرب قراره السيادي، بينما تخفت الأصوات عندما تُستهدف وحدته الترابية ومصالحه الوطنية؟ ولماذا يصبح إرضاء الآخرين أهم من الدفاع عن القضايا المغربية؟

لقد وقف المغاربة طويلًا مع القضية الفلسطينية، وخرجوا في مسيرات ضخمة ونظموا حملات تضامن مستمرة. لكن هل شهدت المدن الفلسطينية تحركات تطالب باسترجاع المغرب لسبتة ومليلية؟ وهل خرجت مظاهرات فلسطينية ترفع شعار الصحراء مغربية؟

لا يتعلق السؤال بمقايضة القضايا الإنسانية، ولا بالدعوة إلى التخلي عن فلسطين، بل بمبدأ التضامن المتبادل. فالعلاقات بين الشعوب لا يمكن أن تستمر في اتجاه واحد؛ طرف يقدم الدعم السياسي والشعبي باستمرار، بينما لا يجد أي مساندة عندما تتعرض قضاياه المصيرية للهجوم.

ينطبق الأمر نفسه على المحيط الإفريقي. تضم القارة 54 دولة، لكن لم تظهر تحركات شعبية واسعة دفاعًا عن حق المغرب في سبتة ومليلية، ولم تتحول قضية الصحراء المغربية إلى قضية إفريقية جامعة رغم الخطابات المتكررة حول الوحدة والتحرر من الاستعمار.

وأين توجد العواصم العربية من القضايا المغربية؟ هل أعلنت عاصمة واحدة أن الصحراء المغربية قضيتها الأولى؟ وهل عقدت جامعة الدول العربية اجتماعًا طارئًا لمساندة المغرب في مواجهة الضغوط الإسبانية والأوروبية؟

أما منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم عشرات الدول، فلم تجعل من تحرير سبتة ومليلية أو الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب أولوية. وفي المقابل، يظهر من يهاجم الرباط كلما اتخذت قرارًا لا ينسجم مع حساباته.

ويزداد التناقض عندما تصدر مواقف عن هيئات تحمل أسماء إسلامية لكنها تنحاز إلى إسبانيا في مواجهة المغرب، وتتبنى روايات تتهم الرباط بالاعتداء على دولة تحتل مدينتين مغربيتين. فكيف يمكن لهيئة تقدم نفسها ممثلةً لعلماء المسلمين أن تقف مع قوة أوروبية محتلة ضد بلد مسلم؟

وسبق للمغرب أن أغلق مكتب الاتصال الإسرائيلي سنة 2000 عقب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، متخذًا موقفًا واضحًا دفاعًا عن الفلسطينيين. لكن ذلك القرار لم يدفع الجزائر إلى مراجعة عدائها للمغرب، ولم يؤد إلى مساندة عربية أو إسلامية واسعة لقضاياه.

لم يأت أحد ليقول إن المغرب قدم موقفًا كبيرًا ويستحق المقابل. لم تتغير المواقف من الصحراء المغربية، ولم تتحول سبتة ومليلية إلى قضية عربية أو إسلامية. لقد قدمت الرباط موقفها، ثم بقيت وحدها تواجه ملفاتها.

والأمر ذاته حدث عندما مد الملك محمد السادس يده إلى الجزائر، ودعا إلى الحوار وتجاوز الخلافات الموروثة. لم تتجاوب الجزائر، ولم تتحرك القوى العربية بجدية للوساطة والضغط من أجل المصالحة بين البلدين.

اكتفى الجميع بالمشاهدة، وكأن استمرار الصراع بين المغرب والجزائر لا يعني المنطقة العربية والإسلامية. لم تظهر مبادرة قوية تجمع الطرفين، ولم يتحول إنهاء النزاع إلى أولوية إقليمية.

أما موريتانيا، فتتحرك أحيانًا بين المغرب والجزائر وفق مصالحها، فيما اختارت تونس خلال السنوات الأخيرة الاقتراب أكثر من الموقف الجزائري. وبذلك يجد المغرب نفسه داخل محيط لا يقدم له دعمًا ثابتًا، بل يحاول بعض أطرافه الاستفادة من التنافس والابتزاز السياسي.

وتبقى واقعة جزيرة ليلى مثالًا حاضرًا في الذاكرة المغربية. فقد أظهرت تلك الأزمة أن إسبانيا مستعدة لاستعمال القوة وفرض الإهانة العسكرية، وأنها تستطيع استدعاء التضامن الأوروبي عندما يتعلق الأمر بمواجهة المغرب.

إسبانيا ليست وحدها؛ خلفها الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وقوى عسكرية واقتصادية كبرى. ولذلك لا يستطيع المغرب إدارة هذا الصراع بالشعارات والعواطف، بل يحتاج إلى تحالفات دولية قوية، وفي مقدمتها الشراكة مع الولايات المتحدة وكل دولة تستطيع مساندة مصالحه الاستراتيجية.

من السهل مطالبة المغرب برفض حلفائه، لكن من سيقف إلى جانبه في مواجهة الضغوط الأوروبية؟ ومن سيدعمه إذا تحول الخلاف حول سبتة ومليلية إلى مواجهة دبلوماسية كبرى مع مدريد وبروكسل؟

المطلوب ليس القطيعة مع العالم العربي أو الإسلامي أو الإفريقي. هذه الدوائر امتداد طبيعي للمغرب، ويمكن للرباط أن توظف علاقاتها داخلها لخدمة مصالحها. لكن زمن السياسة القائمة على العواطف والمجاملات يجب أن ينتهي.

على المغرب أن يضع قضاياه الوطنية في المقدمة، وأن يتعامل مع الآخرين بقدر دعمهم لمصالحه ووحدته الترابية. فالدولة لا تتحرك كجمعية خيرية، ولا تُبنى سياستها الخارجية على الحب والكراهية، بل على المصالح وموازين القوى والتحالفات.

والتضامن الحقيقي عملية متبادلة. من يريد من المغاربة الدفاع عن قضيته عليه أن يحترم قضاياهم، ومن يطلب منهم الخروج إلى الشارع من أجله عليه أن يقف معهم عندما يتعلق الأمر بالصحراء المغربية وسبتة ومليلية.

يمكن للمغربي أن يحتج وأن يرفض العلاقات مع إسرائيل، فهذا حقه. لكن لا يجوز أن يتحول رفض قرار دبلوماسي إلى تخوين للوطن، ولا أن يصبح الشارع المغربي أداة تستخدمها جهات خارجية لضرب استقرار البلاد والتشويش على انتخاباتها.

بين دعوة اقتحام سبتة يوم الانتخابات ودعوة الاحتجاج ثلاثة أيام ضد القرارات السيادية للمغرب، يظهر خيط واحد يجمع المشهدين: محاولة دفع المغاربة إلى مواجهة دولتهم بدل توجيه انتباههم إلى الأطراف التي تستهدف أرضهم ومصالحهم.

من حق الجميع الاختلاف، لكن الدفاع عن الوطن يجب أن يسبق الدفاع عن الآخرين. ومن يخرج إلى الشارع، فليخرج أولًا من أجل بلاده، لأن التجارب أثبتت أن الدول لا يحميها إلا أبناؤها، وأن العالم يحترم من يعرف مصلحته ويدافع عنها.