إعلان
980×90
مساحة إعلانية
تقارير

تحولات اقتصادية عميقة تعيد صياغة واقع سبتة ومليلية المحتلتين

نُشر في

شهدت السنوات الست الأخيرة تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقات الاقتصادية التي تربط المغرب بمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، حيث لم يعد النموذج القديم القائم على التجارة الحدودية والأنشطة غير النظامية قادراً على الاستمرار. هذا التغيير لم يأتِ نتيجة قرار مفاجئ، بل تبلور تدريجياً منذ عام 2018 عبر تقييد حركة السلع وإغلاق الجمارك التجارية، وهو ما فرض واقعاً اقتصادياً جديداً دفع مدريد إلى البحث عن بدائل هيكلية.

بدأت ملامح هذا التغيير في مليلية مع إغلاق الجمارك بمعبر بني أنصار، مما أنهى عقوداً من التجارة التي كانت تعتمد على تدفقات الأشخاص والسلع عبر الحدود. وتؤكد بيانات نقلتها صحيفة “إل باييس” أن حجم التجارة غير النمطية في سبتة وحده قُدر بنحو 500 مليون يورو عام 2018، مما يعني أن تراجع هذه الحركة ألحق ضرراً مباشراً بآلاف المشتغلين في هذا القطاع، وأثر بشكل ملموس على الخدمات المرتبطة به في الجانب الإسباني.

تفاقمت حدة هذه الأزمة مع تفشي جائحة كورونا عام 2020، التي أدت إلى شلل تام في حركة العبور، مما جعل من الصعب عزل أثر السياسات المغربية عن تداعيات الجائحة العالمية. ومع ذلك، لاحظ المتابعون أن استئناف الحركة الدولية لم يفضِ إلى عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً، بل كشف عن رغبة في بناء نموذج اقتصادي مستقل عن الاعتماد الكلي على السوق المغربية.

في مليلية، وعلى الرغم من إجراء تجارب لفتح المسار الجمركي مجدداً في 2023، إلا أن القواعد المنظمة أصبحت تختلف جوهرياً عن الماضي، حيث باتت تعتمد على توثيق دقيق وإجراءات رسمية. هذا التطور يعكس قناعة لدى الجانب الإسباني بأن العودة إلى النموذج السابق لم تعد ممكنة، مما دفع مدريد إلى إقرار خطط تنموية طموحة بقيمة 711 مليون يورو حتى عام 2026 لتعزيز قطاعات الرقمنة والسياحة والاقتصاد الأخضر.

تواجه المدينتان تحديات اجتماعية واقتصادية مركبة، حيث تظل معدلات البطالة مؤشراً على هشاشة النموذج الاقتصادي الحالي في ظل خصوصية وضعهما الجمركي والضريبي داخل الاتحاد الأوروبي. وتكشف الاستثمارات الضخمة التي رصدتها الحكومة الإسبانية عن مساعٍ حثيثة لتنويع مصادر الدخل وتقليل الارتباط بالنشاط الحدودي، وهو ما يجسد انتقال الصراع من مجرد حركة عبور إلى إعادة تعريف كاملة لوظيفة الحدود.

في المحصلة، نجحت الرباط في تغيير قواعد اللعبة دون الحاجة إلى مواجهة اقتصادية معلنة، وذلك عبر إعادة تنظيم العلاقة الحدودية التي كانت محركاً أساسياً لاقتصاد المدينتين. واليوم، لم يعد السؤال المطروح يتعلق بكيفية العودة إلى ما قبل 2018، بل بكيفية صياغة مستقبل اقتصادي جديد يتجاوز الاعتماد على التجارة التقليدية التي طبعت تاريخ المنطقة لعقود.

التعليقات

0 تعليق

أضف تعليقك

من شروط النشر

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الجريدة.

إعلان
980×90
مساحة إعلانية

تابع آخر الأخبار من التاسعة عبر Google News

ابقَ على اطلاع بأبرز الأخبار والتغطيات.

تابعنا على Google News
نشرة التاسعة

اشترك في قائمتنا البريدية

أهم الأخبار والتغطيات تصلك إلى بريدك الإلكتروني.