لم يعد ملف أمن البحر الأبيض المتوسط في التفاعلات بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي مجرد مسألة تقنية تتعلق بضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، بل تطور ليصبح قضية جيوسياسية معقدة تتداخل فيها السيادة الوطنية مع المصالح الاقتصادية والدبلوماسية وحقوق الإنسان، وذلك وفقاً لتحليل حديث نشرته منصة أوراسيا ريفيو للباحث الدكتور محمد شتاتو.
وتشير القراءة التحليلية إلى أن الشراكة بين الطرفين باتت محكومة بمعادلة دقيقة، حيث يجد كل طرف نفسه في حاجة ماسة للآخر، رغم تباين الأولويات والرؤى حول طبيعة التعاون. فبينما تراهن العواصم الأوروبية على الرباط كحليف استراتيجي في مراقبة المسارات البحرية والبرية، تصر المملكة على أن ملف الهجرة لا يمكن عزله عن سياق أوسع من الشراكة الاستراتيجية التي تشمل التنمية والتبادل التجاري.
وتنتقد المقاربة المعتمدة من قبل بعض الدول الأوروبية ما يعرف بـ سياسة تصدير الحدود، التي تهدف إلى نقل أعباء المراقبة إلى دول الجوار. ويرى التحليل أن هذا التوجه، وإن خفف الضغط المباشر على الجانب الأوروبي، فإنه يثير إشكالات قانونية وإنسانية جسيمة، لا سيما فيما يتعلق بمسؤوليات حماية طالبي اللجوء وضمان حقوق المهاجرين، وهو ما يجعل المغرب يرفض تحويل دوره إلى مجرد حارس للحدود الأوروبية.
واستحضر التقرير أحداث سبتة في صيف 2026، حيث أشارت بيانات محلية إلى عبور عشرات الآلاف في وقت وجيز، كنموذج كاشف لهشاشة التوازن الأمني. وتؤكد هذه الواقعة أن الحدود في سبتة ومليلية ليست مجرد معابر للهجرة، بل هي نقاط تماس سياسي تتقاطع مع ملفات السيادة والنزاعات الترابية، مما يجعل أي توتر أمني قابلاً للتحول سريعاً إلى أزمة دبلوماسية.
ويشدد الكاتب على أن الاستقرار المستدام يتطلب تجاوز الحلول الأمنية القائمة على الأسوار والردع، نحو تبني استراتيجية تقوم على المسؤولية المشتركة. ويقترح التحليل ضرورة التركيز على تفكيك شبكات التهريب المنظمة بدلاً من ملاحقة المهاجرين وحدهم، مع فتح مسارات للهجرة القانونية والتنقل المنظم، بما يخدم المصالح الاقتصادية والتنموية للضفتين.
وخلصت الدراسة إلى أن أمن المتوسط اليوم بات يتطلب صيغة تعاون جديدة تتجاوز التنسيق العملياتي المحدود. فالمغرب، بفضل موقعه الاستراتيجي وقدراته الأمنية، يظل شريكاً لا غنى عنه، لكنه يطمح إلى شراكة قائمة على الندية والتفاوض، تراعي مصالحه الوطنية في ملفات كبرى مثل قضية الصحراء المغربية، وتضمن توازناً عادلاً في الأعباء والمكاسب بعيداً عن منطق الإملاءات.








التعليقات
0 تعليق