كشف تقرير “أصناف الديمقراطية” الصادر لعام 2026 عن مؤشرات مقلقة بخصوص تراجع الممارسة الديمقراطية على الصعيد العالمي، حيث أظهرت المعطيات أن ما يقارب 74 في المئة من سكان الأرض باتوا يعيشون تحت ظل أنظمة توصف بالاستبدادية. وبحسب الإحصائيات المسجلة حتى نهاية عام 2025، انحسر عدد الدول المصنفة كديمقراطيات إلى 87 دولة، مقابل 92 دولة تندرج ضمن خانة الأنظمة الاستبدادية، مع رصد تدهور ملحوظ في مستويات حرية التعبير عالمياً.
وتثير هذه النتائج تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية المؤسسات الديمقراطية، حيث لا تقتصر الأزمة على غياب صناديق الاقتراع، بل تمتد إلى قصور المؤسسات عن أداء أدوارها الرقابية. فالديمقراطية في جوهرها تتجاوز مجرد العملية الانتخابية لتشمل استقلالية القضاء، وضمان الحريات المدنية، ووجود إعلام حر، ومجتمع مدني فاعل، وهي أبعاد حددها مشروع “V-Dem” في خمسة محاور رئيسية تشمل الجوانب الانتخابية والليبرالية والتشاركية والتداولية والمساواتية.
ويرى مراقبون أن اختزال الديمقراطية في طقس انتخابي دوري يمثل إشكالية كبيرة، خاصة عندما يتم استخدام هذه الانتخابات كغطاء لشرعية تفتقر إلى الضمانات القانونية والمؤسساتية. ويشبه الخبراء تحميل الديمقراطية مسؤولية فشل السياسات بسوء استخدام الآلة، مؤكدين أن النظام الديمقراطي لا يضمن بالضرورة كفاءة الحكام، لكنه يوفر الأدوات اللازمة للمحاسبة وتصحيح المسار.
وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول قدرة المواطن على التأثير في الفترة الفاصلة بين الانتخابات، وهو ما يعتبر الاختبار الحقيقي لجودة أي نظام سياسي. فالمواطن يقيس نجاح النظام بقدرته على التعبير عن رأيه دون خوف، وبمدى خضوع الجميع لسيادة القانون، وبفرصته الفعلية في التأثير على القرارات العامة التي تمس حياته اليومية.
وعلى الرغم من التطور التكنولوجي الذي وسع نطاق الوصول إلى المعلومات، إلا أن التكنولوجيا لم تشكل بديلاً للمؤسسات السياسية، بل تحولت أحياناً إلى أداة للمراقبة والتضليل. ويظل التحدي الراهن مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات على تقييد السلطة، إذ لا تكمن الأزمة في فكرة الديمقراطية ذاتها، بل في الفجوة المتسعة بين النصوص الدستورية والممارسات الفعلية على أرض الواقع.








التعليقات
0 تعليق