ياسر الرقاص
في خطوة تشريعية تعكس حجم التدافع بين السلطة والمجتمع المدني، أقر لبنان قانونا جديدا لتنظيم قطاع الإعلام، متضمنا حزمة من الإصلاحات الهيكلية المستندة إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ويأتي هذا التعديل القانوني ليتوج سنوات من النضال وحملات المناصرة الشرسة التي خاضتها، والنشطاء، والمنظمات الحقوقية، غير أن هذه الوثيقة التشريعية لم تبلغ سقف التطلعات؛ إذ أبقت على فجوات قانونية تحول دون التأمين المطلق لحق التعبير وتوفير الحماية الشاملة للأقلام الحرة في البلاد.
ويحسب للتشريع الجديد استجابته الجزئية لمطالب تحديث الترسانة القانونية المتهالكة التي كانت تحكم المشهد الصحفي منذ ستينيات القرن الماضي (تحديدا قانون المطبوعات لعام 1962). فقد أسهمت ضغوط التحالفات المدنية، والجهود التراكمية لمؤسسات حقوقية مواكبة كـ”مؤسسة مهارات”، في انتزاع ضمانات ترفع بعض القيود التعسفية عن كاهل الصحفيين.
ومع ذلك، تشير القراءات التحليلية للنص القانوني إلى قصور واضح في تفكيك منظومة “تجريم القدح والذم”، التي طالما استُخدمت كسيف مسلط على رقاب صناع المحتوى، خاصة عند تناول قضايا الفساد المالي والإداري أو توجيه النقد المباشر للشخصيات العامة ومسؤولي الدولة.
وما يزال التحدي الأكبر يكمن في بقاء بعض العبارات المطاطية ضمن متون القانون الجديد، والتي تمنح الجهات القضائية والأمنية هوامش واسعة لتأويل النصوص بما قد يقيد حرية النقد والمساءلة.
كما يسجل الحقوقيون إخفاق التشريع في الحسم القاطع لمسألة حصر محاكمة الصحفيين والمدونين أمام محاكم مدنية بحتة، مبقيا على احتمالية استدعائهم أمام المحكمة العسكرية أو هيئات استثنائية في سياقات معينة، وهو ما يفرغ العديد من الإصلاحات الحقوقية المُعلنة من مضمونها الحقيقي ويترك الصحفي الميداني والاستقصائي عرضة للترهيب القانوني.
وتضع هذه التناقضات المشهد الإعلامي اللبناني أمام مرحلة انتقالية شديدة الحساسية. فبينما يشكل القانون الجديد اختراقا مهما لجدار الجمود التشريعي واعترافا صريحا بوزن الضغط المدني، فإنه ينذر بانطلاق جولة جديدة من المواجهات القانونية.
وبات لزاما على الجسم الصحفي والمنظمات المستقلة إعادة ترتيب أوراقهم لمواصلة الضغط وسد الثغرات المتبقية، لضمان ألا يتحول هذا الإصلاح المنقوص إلى أداة لتقنين الرقابة بصبغة حقوقية حداثية.








التعليقات
0 تعليق