فتيحة شاطر
هناك أحداث لا تنتهي بانتهاء يومها، ولا تتحول، مهما ابتعد تاريخها، إلى مجرد خبر قديم. تبقى حاضرة في ذاكرة الناس، وفي صور الغائبين، وفي البيوت التي تبدلت حياتها بعد فقدان أحد أفرادها. ومن بين هذه الأحداث، تظل فاجعة أكديم إزيك واحدة من الوقائع الدامية التي تركت جرحًا عميقًا في الذاكرة المغربية، وأعادت طرح أسئلة العنف والمسؤولية والعدالة، وما يستحقه ضحايا الواجب وأسرهم من إنصاف ووفاء.
ففي الثامن من نوفمبر 2010، شهدت عملية تفكيك مخيم أكديم إزيك قرب مدينة العيون مواجهات وأعمال عنف، امتدت تداعياتها إلى المدينة. وخلّفت الأحداث أحد عشر قتيلًا في صفوف القوات العمومية، بينهم عنصر من الوقاية المدنية، فضلًا عن عشرات الجرحى وخسائر في المنشآت العمومية والممتلكات الخاصة. وراء هذه الحصيلة رجال خرجوا لأداء مهامهم ولم يعودوا إلى أسرهم، وعائلات وجدت نفسها أمام فقدان لا تعوضه الكلمات.
بدأ المخيم في سياق مطالب اجتماعية مرتبطة بظروف العيش، قبل أن تصبح الأحداث المحيطة به وتفكيكه موضوعًا لتقارير وتحقيقات ومتابعات قضائية. غير أن فهم هذا السياق لا يلغي ضرورة الوقوف عند الاعتداءات التي طالت أفراد القوات العمومية، ولا يجعل مقتلهم تفصيلًا يمكن تجاوزه. فالمطالب، مهما كانت طبيعتها، لا تمنح أصحابها حق الاعتداء على حياة الآخرين، والتعبير عن الاحتجاج لا يسقط المسؤولية عن أفعال العنف.
وحين تُستحضر صور الضحايا، ينبغي أن تُستحضر معها إنسانيتهم. لم يكونوا مجرد أسماء في حصيلة أمنية، بل أشخاصًا لهم روابط أسرية وأحلام ومسؤوليات وحياة خارج أوقات العمل. لكل واحد منهم مكان في بيته، وصوت اعتادت أسرته سماعه، وحضور ترك غيابه فراغًا يصعب وصفه. وهذا ما يمنح الذكرى معناها الحقيقي: أن نرى الإنسان وراء الزي الرسمي، وأن ندرك أن فقدانه لا ينتهي بإعلان وفاته أو بانتهاء مراسم دفنه.
إن أسر هؤلاء الضحايا تحمل جانبًا من هذه الفاجعة لا يظهر كاملًا في الصور والتقارير. فالخبر الذي يتلقاه الجمهور مرة واحدة، تعيش الأسرة أثره كل يوم. تتجدد الذكرى في المناسبات العائلية، وفي التفاصيل الصغيرة، وفي كل لحظة كان يُفترض أن يكون الغائب حاضرًا فيها. ولذلك فإن الحديث عن الوفاء لشهداء الواجب يقتضي النظر إلى عائلاتهم بوصفها جزءًا أساسيًا من الذاكرة، والاستماع إليها، وصون كرامتها، وإبقاء احتياجاتها ومعاناتها موضع اهتمام.
كما أن حفظ أسماء الضحايا وتوثيق سيرهم مسؤولية تتجاوز المنشورات الموسمية. فالذاكرة تحتاج إلى عمل يحميها من النسيان، وإلى توثيق دقيق يعرّف الأجيال الجديدة بما وقع، ويحفظ لكل ضحية اسمه وقصته. ومن واجب الإعلام أن يساهم في هذا التوثيق، وأن يمنح الأسر مساحة للحديث، وأن يتعامل مع صور العنف بحساسية تحترم كرامة الموتى ومشاعر ذويهم. فاستعادة الفاجعة ينبغي أن تساعد على الفهم والتذكر، وألا تتحول إلى إعادة متكررة لمشاهد تزيد ألم العائلات.
وقد سلك ملف أكديم إزيك مسارًا قضائيًا امتد سنوات، وعُرض أولًا أمام القضاء العسكري، ثم أُعيد النظر فيه أمام القضاء المدني. وأصدرت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالرباط، بملحقتها بسلا، أحكامًا في يوليو 2017، قبل أن تؤيد محكمة النقض الأحكام المطعون فيها في نوفمبر 2020. ويشكل هذا المسار جزءًا أساسيًا من توثيق القضية وتحديد المسؤوليات الجنائية المرتبطة بها.
ومع أهمية الأحكام، يبقى من الضروري إدراك حدود ما يمكن أن يحققه القضاء لأسر الضحايا. فالمحاسبة لا تعيد من رحل، ولا تمحو سنوات الحزن، لكنها تجيب عن حاجة أساسية إلى تحديد المسؤولية عن الأفعال المرتكبة. ومن هنا تنبع أهمية عرض المسار القضائي بدقة، واحترام ما تقرره المحاكم، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات والروايات التي تحتاج إلى إسناد.
ويقتضي احترام الضحايا أيضًا احترام الحقيقة عند الحديث عنهم. فالمبالغة في التفاصيل، أو تداول معلومات غير موثقة، لا يخدم ذكراهم. إن قوة هذه القضية تنبع من جسامة الخسارة الإنسانية نفسها، ومن الوقائع التي جرى توثيقها، ومن حق الأسر في أن تُروى مأساة أبنائها بأمانة. ولهذا ينبغي أن يظل التثبت من التواريخ والأسماء والأرقام أساسًا لكل مادة إعلامية تتناول الأحداث.
وتطرح فاجعة أكديم إزيك سؤالًا أوسع حول حماية الحياة أثناء الأزمات. فالتعامل مع الاحتجاجات يتطلب الحوار وحسن تدبير المطالب، كما يتطلب حماية المدنيين وأفراد القوات العمومية، ومنع تحول التوتر إلى اعتداءات دامية. وحين يفقد العنف أي حدود، يدفع الإنسان الثمن أولًا، ثم تدفعه الأسر والمجتمع، وتبقى آثاره زمنًا طويلًا بعد هدوء الشوارع.
إن استحضار هذه الأحداث يحمل مسؤولية تجاه المستقبل بقدر ما يحمل وفاءً للماضي. فالتوثيق الصادق، والمحاسبة وفق القانون، والاهتمام بأسر الضحايا، وترسيخ رفض الاعتداء على الأرواح، كلها عناصر تمنح الذكرى أثرًا يتجاوز الكلمات. ومن خلال ذلك يمكن أن يصبح التذكر مساهمة في حماية المجتمع من تكرار المآسي، وتعزيز احترام الإنسان مهما كانت موقعه أو وظيفته.
ستبقى أحداث الثامن من نوفمبر 2010 مرتبطة في الذاكرة المغربية بأسماء رجال فقدوا حياتهم أثناء أداء واجبهم، وبأسر لا تزال تحمل أثر غيابهم. والوفاء لهم يُقاس بما نحفظه من حقيقتهم، وما نصونه من كرامتهم، وما نوليه لعائلاتهم من اهتمام. فالسنوات قد تُبعد الحدث عن عناوين الأخبار، لكنها لا تلغي مكانه في ذاكرة من فقدوا أحبتهم، ولا تعفي المجتمع من واجب التذكر.




