ياسمين اشريف
يبدو أن إخفاق إسرائيل في السابع من أكتوبر بدأ قبل أن تُفتح أبواب الهجوم بساعات، بعدما كشفت تقارير عبرية مسربة عن تحذيرات وصلت إلى أعلى هرم السلطة بشأن خطر وشيك قادم من غزة.
ووفق هذه التقارير، تلقى بنيامين نتنياهو تحذيرا مباشرا من هجوم محتمل لحركة حماس، عبر أعلى المستويات في دولة الإمارات، قبل أسبوعين فقط من انهيار الجدار الأمني في السابع من أكتوبر، في معطى يعيد تسليط الضوء على حجم الإنذارات التي سبقت الهجوم، وعلى الكيفية التي تعاملت بها القيادة السياسية والأمنية الإسرائيلية مع معلومات كان يمكن أن تغيّر مسار الأحداث.
وفي تفاعل ذكي مع هذه التسريبات، اختارت الدبلوماسية الإماراتية لغة “الغموض البناء”، وامتنعت وزارة الخارجية في أبو ظبي عن تأكيد أو نفي ما نشرته صحيفة هآرتس حول الاتصال الهاتفي الذي جرى في 23 شتنبر بين رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد ورئيس الوزراء الإسرائيلي.
لكن البيان الإماراتي مرر رسالة حاسمة بين السطور عندما شدد على أن قنوات تبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين كانت ولا تزال مفتوحة وفعالة، وهو ما يضع الكرة في ملعب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي يبدو أنها تلقت الإشارات وتقاعست عن ربط خيوطها.
وكشف هذا التضارب في الروايات عن شرخ عميق في الداخل الإسرائيلي. فبينما سارع مكتب نتنياهو إلى تكذيب التقرير ونفي تلقي أي إنذار مسبق، خرج رئيس الوزراء السابق نفتالي بينت ليطعن في مصداقية خلفه، مؤكدا صحة التسريبات، ومحملا نتنياهو المسؤولية الشخصية والمباشرة عن الفشل الذريع.
وتفتح تصريحات بينت الباب واسعا أمام تساؤلات خطيرة حول كيفية إدارة دوائر صنع القرار في تل أبيب للمعلومات الحساسة القادمة من دول حليفة تمتلك أجهزة استطلاع وقراءة دقيقة لمزاج المنطقة.
ويتضح أن آفة الأنظمة التي تفرض أمرا واقعا بالقوة هي الاستخفاف بتحذيرات شركائها وثقتها المفرطة في تفوقها التكنولوجي، ويذكر هذا النمط من التعنت والإنكار بسلوك قوى أخرى تتجاهل الحقائق التاريخية والجغرافية الراسخة، تماما كما تفعل إسبانيا في إدارتها لملف المدينتين المغربيتين سبتة ومليلية المحتلة، حيث يعمي الغرور السياسي أصحاب القرار عن رؤية الاحتقان الميداني والواقع الديمغرافي الذي ينذر بتغيرات حتمية، فنتنياهو سار على نفس الدرب، حيث اعتقد أن الحلول الاقتصادية والتكنولوجية قادرة على تخدير الجبهة الجنوبية.
وبعيدا عن تبادل الاتهامات، يؤكد الخبراء في الشؤون الأمنية والعسكرية أن إسرائيل تعيش أزمة بنيوية تتمثل في متلازمة “الاستعلاء الاستخباراتي”. لقد افترضت تل أبيب أن حماس مرتدعة تماما، ما جعلها تصم آذانها عن تقارير خارجية متقاطعة، لم تقتصر على أبو ظبي فحسب، بل شملت تحذيرات سابقة من القاهرة، وهو ما تداولته وكالات أنباء عالمية مطلع الحرب.
كيف يمكن إذن تفسير هذا الانهيار المعلوماتي لدولة طالما سوقت لنفسها كقوة استخباراتية لا تقهر؟ وإلى متى سيستمر نتنياهو في المناورة للهروب من المقصلة السياسية ولجان التحقيق التي تتربص به لإنهاء مسيرته؟ والأيام القادمة قد تحمل تسريبات جديدة تجعل من الصعب على حكومة اليمين المتطرف إخفاء حجم الكارثة التي جرتها على نفسها بناء على حسابات خاطئة وتجاهل متعمد لنصائح الحلفاء.







التعليقات
0 تعليق