كوثر بوجوال
نفى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الأربعاء، أن تكون الحكومة الإسرائيلية تخطط لطرد سكان قطاع غزة أو إجبارهم على مغادرة القطاع، في تصريحات تأتي وسط استمرار الجدل بشأن مستقبل السكان الفلسطينيين بعد تصريحات سابقة لوزير الدفاع يسرائيل كاتس حول خطط قال إنها تتعلق بمغادرة فلسطينيين غزة.
وخلال زيارة إلى سلوفينيا لافتتاح السفارة الإسرائيلية، أكد ساعر أن إسرائيل لا تخطط، بحسب قوله، لترحيل أي شخص من قطاع غزة، مشيرا في المقابل إلى أن حكومته لن تعارض مغادرة من يرغب في ذلك «بمحض إرادته» إذا وُجدت دولة مستعدة لاستقباله.
لكن هذه التصريحات لا تغلق النقاش، إذ تأتي بعد أيام من حديث وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن وجود خطط قال إنها جاهزة لإخراج فلسطينيين من غزة، وربط تنفيذها بالحصول على موافقة أميركية وتحديد الدول التي يمكن أن تستقبلهم.
ساعر ينفي الإكراه على الرحيل
حرص وزير الخارجية الإسرائيلي على التفريق بين التهجير القسري وبين ما وصفه بالمغادرة الطوعية.
وقال ساعر إن إسرائيل لا تنوي إجبار أحد على مغادرة القطاع، معتبرا أن الشخص الذي يرغب في الخروج بإرادته ويمكنه العثور على دولة تستقبله لا ينبغي منعه من ذلك.
ويأتي هذا الموقف في وقت يثير فيه ملف سكان غزة حساسية سياسية وإنسانية كبيرة، خاصة مع رفض فلسطيني وعربي واسع لأي سيناريو قد يؤدي إلى تهجير سكان القطاع بصورة دائمة.
كما يضع تصريح ساعر الحكومة الإسرائيلية أمام سؤال حول كيفية التوفيق بين نفي وجود خطة للترحيل وبين تصريحات صدرت عن مسؤولين آخرين تتحدث بوضوح عن ترتيبات لمغادرة سكان من القطاع.
كاتس تحدث عن خطط جاهزة
قبل أيام، قدم وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس رواية مختلفة جزئيا.
وخلال مؤتمر استضافته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، قال كاتس إن لدى إسرائيل خططا جاهزة لإخراج فلسطينيين من قطاع غزة، مشيرا إلى أن تنفيذها يتطلب موافقة الولايات المتحدة على الدول التي يمكن نقلهم إليها.
وأضاف أن ما وصفه بـ«الحل الحقيقي» لغزة يتطلب، من وجهة نظره، خروج سكان من القطاع.
كما قال إن الحكومة الإسرائيلية مستعدة لتنفيذ عمليات نقل عبر البحر والجو ووسائل أخرى، وهي تصريحات أعادت إلى الواجهة المخاوف من أن تتحول فكرة «المغادرة الطوعية» إلى سياسة ضغط أو تهجير فعلي.
الخطة «لم تلغ» بحسب وزير الدفاع
أوضح كاتس أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم يتخل، بحسب قوله، عن فكرة نقل فلسطينيين من غزة، وإنما قام «بتجميدها» إلى حين تحديد دول مستعدة لاستقبالهم.
وأكد أن مصر ليست ضمن الخيارات المطروحة، مضيفا أن الخطة لم تلغ وما تزال موضع نقاش.
وربط وزير الدفاع الإسرائيلي تنفيذها بالحصول على دعم أميركي، خاصة في حال عدم وفاء حركة حماس بالتزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وفق التعبير الذي استخدمه.
وتبقى هذه التصريحات منسوبة إلى كاتس، ولا تشكل في حد ذاتها دليلا على وجود قرار حكومي نهائي أو اتفاق دولي على تنفيذ عملية نقل للسكان.
ادعاء بشأن رغبة 80 في المائة بالمغادرة
ذهب كاتس أبعد من ذلك عندما زعم أن 80 في المائة من سكان قطاع غزة يرغبون في مغادرته، وأن حركة حماس تمنعهم من ذلك.
غير أنه لم يقدم، بحسب المعطيات المتاحة، مصدرا مستقلا أو دراسة موثقة تؤكد هذه النسبة.
ويجعل غياب المصدر التعامل مع هذا الرقم ضروريا بقدر كبير من الحذر، خصوصا أن المواقف المتعلقة بمغادرة السكان في مناطق النزاع تتأثر بالظروف الإنسانية والأمنية والاقتصادية ولا يمكن اختزالها بسهولة في نسبة واحدة.
كما أن الحديث عن «رغبة» السكان بالمغادرة لا يحسم وحده ما إذا كانت هذه الرغبة ناتجة عن اختيار حر أم عن ظروف قهرية فرضتها الحرب والدمار وانعدام الأمن.
واشنطن تنفي التهجير القسري
من الجانب الأميركي، نفى السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي وجود خطة لإجبار الفلسطينيين على مغادرة قطاع غزة.
وقال هاكابي خلال زيارة إلى بلدة ترمسعيا في الضفة الغربية، السبت، إنه يستطيع أن يؤكد بصورة قاطعة عدم وجود خطة إسرائيلية لتهجير سكان غزة قسرا.
وأضاف أن هناك انفتاحا على فكرة مغادرة بعض سكان القطاع بصورة طوعية إذا أرادوا ذلك، لكنه شدد على أن إجبارهم على الرحيل ليس مطروحا لا من جانب إسرائيل ولا الولايات المتحدة.
وتتقاطع تصريحات هاكابي مع موقف ساعر في نفي عنصر الإكراه، لكنها لا تلغي استمرار الحديث الرسمي الإسرائيلي عن ترتيبات مرتبطة بمغادرة سكان من القطاع.
الفرق بين «الطوعي» و«القسري» في قلب الجدل
أصبح استخدام مصطلح «المغادرة الطوعية» محوريا في الخطاب الإسرائيلي المتعلق بغزة.
لكن هذا التعبير يثير بدوره أسئلة قانونية وسياسية، خصوصا في ظل الظروف التي يعيشها القطاع، إذ يشدد معارضو هذه الطروحات على أن الاختيار لا يمكن اعتباره حرا تماما عندما يكون السكان تحت ضغط الحرب أو الدمار أو نقص الخدمات الأساسية.
ولهذا يظل التمييز بين المغادرة الفردية الطوعية وبين سياسة منظمة تؤدي إلى تغيير ديمغرافي واسع محل خلاف كبير.
كما أن أي ترتيبات لنقل سكان إلى دول أخرى تحتاج إلى موافقة الدول المستقبلة، إضافة إلى مراعاة القانون الدولي والحقوق الأساسية للسكان.
تصريحات متباينة داخل الحكومة الإسرائيلية
يعكس التباين بين ساعر وكاتس اختلافا في طريقة تقديم الملف، حتى وإن كان الطرفان يتحدثان عن مبدأ المغادرة الطوعية.
فساعر اختار التأكيد على عدم وجود نية للطرد أو الترحيل، بينما ركز كاتس على وجود ترتيبات وخطط قيد البحث يمكن أن تسمح بخروج أعداد من السكان.
وهذا الاختلاف في اللهجة يترك الباب مفتوحا أمام التساؤلات بشأن طبيعة السياسة الفعلية التي تدرسها الحكومة الإسرائيلية.
كما أن استمرار طرح الملف من مسؤولين مختلفين يعطي انطباعا بأن فكرة مغادرة سكان من غزة ما تزال حاضرة في النقاش السياسي الإسرائيلي، حتى في ظل نفي التهجير القسري.
رفض عربي وإسلامي لفكرة التهجير
جاءت هذه التصريحات وسط رفض عربي وإسلامي لمشروعات تهجير الفلسطينيين من غزة.
وسبق لدول عربية وإسلامية أن أدانت تصريحات إسرائيلية مرتبطة بإخراج سكان القطاع، معتبرة أن أي تهجير قسري يمثل انتهاكا لحقوق الفلسطينيين ويهدد بتغيير الواقع الديمغرافي في غزة.
كما يرتبط الملف بمواقف أوسع بشأن ضرورة الحفاظ على الوجود الفلسطيني في القطاع وعدم تحويل الحرب أو العمليات العسكرية إلى وسيلة لفرض واقع سكاني جديد.
ولهذا أصبحت كل إشارة إسرائيلية إلى مغادرة السكان موضع متابعة سياسية ودبلوماسية واسعة.
غزة بين النفي الرسمي واستمرار الخطط المطروحة
في المحصلة، يحاول جدعون ساعر تقديم موقف واضح مفاده أن إسرائيل لا تخطط لطرد سكان غزة قسرا.
لكن تصريحات يسرائيل كاتس السابقة تبقي الباب مفتوحا أمام نقاش مختلف يتعلق بخطط لمغادرة فلسطينيين القطاع، وربط تنفيذها بموافقة أميركية ودول تستقبلهم.
وبين الحديث عن «المغادرة الطوعية» والنفي المتكرر لأي ترحيل قسري، تبقى القضية محل جدل حاد، خصوصا في ظل غياب تفاصيل رسمية نهائية حول طبيعة الخطط التي تبحثها الحكومة الإسرائيلية.
وهكذا، لا ينتهي الجدل بتصريح ساعر، بل يتحول إلى سؤال أكبر حول ما إذا كانت إسرائيل تكتفي بالسماح بالمغادرة الفردية، أم أنها تعمل فعليا على ترتيبات أوسع يمكن أن تغير مستقبل سكان قطاع غزة.









التعليقات
0 تعليق