إعلان
980×90
مساحة إعلانية
مقالات رأي

التعليم الأولي في المغرب بين هشاشة العمل ورهان الإصلاح

17:46 · 08/10/2026

منال الهداوي

يعود التعليم الأولي في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي كلما تجدد الحديث عن جودة المدرسة وعن الظروف التي يشتغل فيها العاملون داخل هذا القطاع، خصوصا في ظل استمرار مطالب مرتبطة بالاستقرار المهني وتحسين الاجور وتوضيح المسار الوظيفي. ويبدو ان النقاش لم يعد محصورا في تفاصيل مرتبطة بالعقود أو التعويضات، بل أصبح يلامس سؤالا اوسع يتعلق بالطريقة التي يراد من خلالها بناء منظومة تعليم أولي قادرة على الاستجابة لحاجيات الاطفال والاسر، وفي الوقت نفسه توفير ظروف عمل مستقرة للعاملين فيها.

ويفرض هذا الوضع قراءة متوازنة للمطالب المطروحة، خصوصا ان التعليم الأولي يشكل مرحلة اساسية في المسار الدراسي للطفل، بما يجعل الاستقرار داخل مؤسساته عاملا له علاقة مباشرة باستمرارية العملية التربوية. فكلما تغيرت ظروف العاملين او ظلت وضعيتهم المهنية غير واضحة، برزت الحاجة الى البحث عن حلول تضمن استقرار الاطر وتساعدها على التركيز في مهامها التعليمية والتربوية بعيدا عن الضغوط المرتبطة بالمستقبل المهني.

ويكشف استمرار الاحتجاجات عن وجود فجوة بين طبيعة المهام التي يؤديها العاملون في التعليم الأولي وبين الوضعية المهنية التي يجدون انفسهم فيها. فالمسؤوليات المرتبطة بتأطير الاطفال ومواكبتهم وتوفير بيئة تعليمية مناسبة تتطلب حضورا يوميا واستمرارية في العمل، بينما يظل النقاش حول الاجور والعقود والاستقرار المهني قائما. ومن هنا يصبح من الصعب فصل جودة التعليم عن ظروف العاملين فيه، لان العملية التربوية تحتاج في نهاية المطاف الى موارد بشرية مستقرة وقادرة على التخطيط للمستقبل.

ويطرح مطلب الإدماج في الوظيفة العمومية نفسه باعتباره واحدا من اكثر المطالب حساسية في هذا النقاش، لكنه في الوقت ذاته يحتاج الى مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المنظومة والاطر القانونية والتنظيمية والمالية التي تحكمها. فطرح الإدماج باعتباره حلا نهائيا يعكس رغبة في وضع حد لحالة من عدم اليقين المهني، غير ان تنزيل اي تصور جديد يتطلب دراسة دقيقة للامكانات المتاحة ولطريقة تنظيم القطاع بما يضمن عدم حدوث اختلالات جديدة.

ويثير مستوى الاجور بدوره نقاشا لا يقل اهمية، خاصة عندما يشعر العاملون بان حجم المسؤوليات لا يتناسب مع المقابل المادي الذي يحصلون عليه. ويطالب جزء من هذه الفئة برفع الاجر الى 7000 درهم على الاقل، باعتبار ذلك مدخلا لتحسين الوضع الاجتماعي والمهني. وفي المقابل، يظل التعامل مع هذا المطلب مرتبطا بقدرة السياسات العمومية على ايجاد صيغة تحقق التوازن بين تحسين الدخل وضمان استدامة التمويل وتنظيم الموارد البشرية داخل القطاع.

ويحتاج هذا النقاش كذلك الى تجاوز النظرة التي تختزل ازمة التعليم الأولي في مسألة الاجر فقط. فالمشاكل التي يطرحها العاملون تشمل ايضا طبيعة العقود، والاستقرار الوظيفي، والحقوق الاجتماعية، وتوزيع المهام، وآليات التأطير والتكوين، فضلا عن وضوح الجهة المسؤولة عن التدبير. ولذلك، فإن معالجة عنصر واحد وترك بقية العناصر دون حل قد تؤدي الى استمرار الاشكالات نفسها في اشكال جديدة.

ويكشف تعدد الجهات المتدخلة في تدبير التعليم الأولي عن جانب آخر من التعقيد، خصوصا عندما تختلف ظروف العمل من منطقة الى اخرى او من مؤسسة الى اخرى. فوجود تفاوتات في طرق التدبير يمكن ان ينعكس على العاملين وعلى المستفيدين معا، الامر الذي يجعل توحيد المعايير المهنية والتربوية والتنظيمية مسألة تستحق مزيدا من النقاش. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة قائمة الى نموذج واضح يحدد المسؤوليات ويضمن قدرا اكبر من الانسجام داخل القطاع.

إقرأ أيضا : أساتذة-التعليم-الأولي-يطالبون

ويستدعي الحديث عن الجمعيات التي تشارك في تدبير بعض مؤسسات التعليم الأولي قدرا من الموضوعية، بعيدا عن التعميم. فوجود جمعيات مختلفة لا يعني بالضرورة ان جميع التجارب متشابهة، كما ان تقييم ادائها ينبغي ان يستند الى معايير واضحة تتعلق بجودة الخدمة وظروف العاملين والحكامة والشفافية. وفي المقابل، فإن الانتقادات التي تثار حول بعض طرق التدبير تظل مؤشرا على ضرورة تعزيز آليات المراقبة والتقييم وربط المسؤولية بالنتائج.

ويضع هذا الواقع الدولة امام مسؤولية البحث عن صيغة تضمن استقرار القطاع على المدى البعيد، خصوصا ان التعليم الأولي لم يعد ينظر اليه باعتباره خدمة تربوية هامشية، بل اصبح جزءا من البناء الاساسي للمنظومة التعليمية. فكلما كانت السنوات الاولى من تعلم الطفل اكثر استقرارا وجودة، كانت فرص بناء مسار دراسي متوازن اكبر. ولذلك، فإن الاستثمار في العاملين في هذه المرحلة لا يمكن فصله عن الاستثمار في مستقبل المدرسة نفسها.

ويحتاج الاصلاح المنشود ايضا الى الاستماع الى مختلف الاطراف المعنية، من العاملين والاسر والفاعلين التربويين والجهات المسؤولة عن التدبير. فالحلول التي تصاغ من طرف واحد قد تواجه صعوبات عند التطبيق، بينما يمكن للحوار المؤسساتي ان يساعد على تحديد الاولويات وترتيب المطالب والبحث عن حلول قابلة للتنفيذ. كما ان فتح قنوات واضحة للتفاوض يمكن ان يقلل من الاحتقان ويحول الخلافات المهنية الى نقاش منظم حول مستقبل القطاع.

ويبرز من جهة اخرى تحدي المحافظة على جودة التعليم خلال اي مرحلة انتقالية. فمعالجة الوضعية المهنية للعاملين ينبغي ان تسير بالتوازي مع تطوير التكوين والتأطير والمناهج والوسائل التعليمية. ولا يكفي تحسين الوضع المادي اذا لم ترافقه سياسة واضحة للارتقاء بالممارسة التربوية، كما ان تطوير المناهج والبرامج لن يحقق اهدافه كاملة اذا ظل العاملون يعيشون حالة من عدم الاستقرار.

ويؤكد هذا النقاش ان مستقبل التعليم الأولي يحتاج الى مقاربة تتجاوز الحلول المؤقتة، من دون القفز ايضا على التعقيدات القانونية والمالية والتنظيمية. فالمطلوب ليس فقط الاستجابة لمطالب فئة مهنية، بل بناء تصور مستدام يضمن للطفل تعليما اوليا جيدا، وللاستاذ او الاستاذة ظروفا مهنية لائقة، وللدولة نموذجا واضحا في التدبير والمراقبة والتقييم.

ويظل تحقيق هذا التوازن التحدي الاكبر امام اي اصلاح مقبل. فبين المطالبة بالإدماج والرفع من الاجور، وبين الحاجة الى تطوير جودة التعليم وضمان استدامة المنظومة، توجد مجموعة من الملفات التي تحتاج الى معالجة متكاملة. ومن ثم، فإن تجاوز الاحتقان لن يكون مرتبطا فقط بقرار واحد، بل بقدرة مختلف الاطراف على الانتقال من منطق تدبير الازمة الى بناء رؤية طويلة المدى.

ويفرض مستقبل التعليم الأولي في المغرب في النهاية سؤالا بسيطا في صياغته لكنه عميق في نتائجه: كيف يمكن بناء مرحلة تربوية مستقرة اذا ظل جزء من العاملين فيها يشعر بعدم الاستقرار؟ والاجابة عن هذا السؤال لا تتطلب فقط قرارات مالية أو ادارية، بل تحتاج الى تصور متكامل يضع جودة التعليم وكرامة العاملين واستمرارية الخدمة العمومية ضمن معادلة واحدة. وعندما يصبح الاستقرار المهني جزءا من سياسة تطوير التعليم، يمكن حينها الانتقال من معالجة الاحتجاجات المتكررة الى بناء نموذج اكثر وضوحا وانسجاما واستدامة.