إعلان
980×90
مساحة إعلانية
أخبار وطنية

الإيسيسكو تستحضر 15 قرنا من تاريخ عمارة المساجد في فلسطين

17:43 · 08/10/2026

رحاب الغرباوي

احتضنت منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو»، الأربعاء 7 أكتوبر 2026، لقاء علميا خصص لقراءة تاريخ العمارة الدينية في القدس وأرض فلسطين، واستجلاء ما تختزنه المساجد والمعالم العمرانية من شواهد على التحولات الحضارية التي عرفتها المنطقة على امتداد نحو خمسة عشر قرنا.

وجاءت الندوة ضمن سلسلة «العمارة والحضارة» التي يشرف عليها مركز الحوار الحضاري بالإيسيسكو، بشراكة مع مؤسسة خالد الحسن للدراسات والأبحاث بالرباط ومركز عتيق للآثار والتراث بدولة فلسطين، وبمشاركة باحثين وأكاديميين وخبراء في التاريخ والآثار والتراث والعمارة والدراسات الحضارية والإعلام.

وخصص الجزء الرئيسي من اللقاء للدراسة التي قدمها الدكتور عبد الرازق متاني، مدير مركز عتيق للآثار والتراث والباحث في الآثار والعمارة الإسلامية، والتي حملت عنوان «عمارة المساجد في أرض فلسطين وعمرانها في خمسة عشر قرنا: صفحات من التاريخ والحضارة».

وسعى البحث إلى إعادة قراءة مسار العمارة الدينية الفلسطينية عبر مراحل تاريخية متعاقبة، مستندا إلى معطيات ميدانية ووثائق أرشيفية، مع الوقوف عند أبرز التحولات التي طبعت شكل المدن والمساجد منذ الفتح الإسلامي وصولا إلى نهاية العهد العثماني.

وأبرز متاني أن المسجد في التجربة الفلسطينية تجاوز منذ وقت مبكر حدود الوظيفة التعبدية، إذ ارتبط بالحياة العلمية والثقافية والاجتماعية، وتحول إلى فضاء تتقاطع داخله مظاهر الحياة العامة مع الممارسات الدينية، الأمر الذي منحه مكانة خاصة داخل النسيج العمراني للمجتمعات والمدن الفلسطينية.

وتوقفت الدراسة عند القدس والمسجد الأقصى باعتبارهما من أبرز النماذج التي تسمح بتتبع تطور العمارة الإسلامية وتراكم طبقاتها التاريخية، إلى جانب رصد التنوع الذي عرفته عمارة المساجد الفلسطينية خلال الفترات المختلفة، وما أفرزته كل مرحلة من خصائص وأساليب عمرانية.

ولم تنحصر الندوة في استعادة الماضي المعماري، بل انتقلت إلى واقع التراث الفلسطيني وما يواجهه من تهديدات، حيث سلط المشاركون الضوء على عمليات طمس وتغيير المعالم التاريخية، فضلا عن الأضرار التي لحقت بعدد من المواقع الأثرية.

وأشار متاني إلى حجم الخسائر التي تعرض لها التراث في قطاع غزة، موضحا أن الدمار طال عددا كبيرا من المواقع والمعالم، من بينها نحو 50 موقعا أثريا، وفقا للمعطيات التي عرضها خلال اللقاء، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى توثيق ما تبقى من الموروث المعماري الفلسطيني.

وفي مداخلته، أكد السفير خالد فتح الرحمن، مدير مركز الحوار الحضاري بالإيسيسكو، أن العمارة توفر مدخلا مهما لفهم تطور الحضارات، معتبرا أن استحضار الذاكرة المعمارية يمكن أن يسهم في تعزيز التواصل بين الثقافات وترسيخ الجهود الرامية إلى حماية التراث.

من جهته، شدد الدكتور عبد الإله بنعرفة، نائب المدير العام للإيسيسكو، على الترابط القائم بين العمارة والحضارة، موضحا أن المباني والمعالم العمرانية تتيح قراءة مسارات تاريخية وثقافية كاملة، فيما تمثل المساجد بصورة خاصة نموذجا يجمع بين الأبعاد الجمالية والروحية والثقافية.

أما الدكتور سعيد خالد الحسن، رئيس مركز خالد الحسن للدراسات والأبحاث، فربط الاهتمام بالعمارة الفلسطينية بالحفاظ على الذاكرة والهوية الحضارية، معتبرا أن دراسة هذا الموروث تكتسي أهمية خاصة في ظل المخاطر التي تواجه المواقع والمعالم التراثية الفلسطينية.

بدوره، أكد الدكتور محمد سالم الشرقاوي، المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، أن صون التراث الفلسطيني يحتاج إلى جهود مؤسساتية مستمرة وإرادة سياسية قادرة على حماية المعالم التاريخية، مبرزا أن العمارة تشكل دليلا ماديا على الامتداد العربي والإسلامي في فلسطين.

وخلص المشاركون إلى ضرورة تعزيز توثيق التراث الفلسطيني بالاعتماد على التقنيات الرقمية ووسائل التكنولوجيا الحديثة، بما يسمح بحفظ المعلومات المتعلقة بالمواقع والمعالم المعمارية وتيسير استعادتها ودراستها مستقبلا.

كما شدد النقاش على أهمية توسيع النظرة إلى المسجد باعتباره مؤسسة حضارية شاركت تاريخيا في إنتاج المعرفة وتشكيل الحياة الاجتماعية والثقافية، وليس فقط مكانا للعبادة، بما يمنح دراسة عمارته بعدا يتجاوز الجانب الهندسي إلى فهم التحولات التي عرفتها المجتمعات الفلسطينية عبر العصور.

وتندرج هذه الندوة في إطار اهتمام الإيسيسكو بالتراث المعماري باعتباره جزءا من الذاكرة الحضارية للشعوب، وسعيها إلى فتح فضاءات علمية تجمع الباحثين والمتخصصين حول سبل دراسة هذا التراث وتوثيقه وحمايته من مخاطر الاندثار والتدمير.