هجر إمغري
حذر عبد الرحيم الجامعي من تداعيات الوضع الذي تعيشه مهنة المحاماة في المغرب، معتبرا أن المرحلة الحالية لا ترتبط فقط بخلاف مهني عابر، وإنما تطرح أسئلة أوسع حول مستقبل المهنة ومكانتها داخل منظومة العدالة، في ظل استمرار النقاش حول عدد من القضايا التي أثارت توترا بين المهنيين والجهات المسؤولة.
وأكد الجامعي أن المحاماة تظل من المكونات الأساسية لمنظومة العدالة، كما تشكل رافعة مهمة للدفاع عن الحقوق والحريات وترسيخ دولة القانون، وهو ما يجعل أي نقاش حول مستقبلها متجاوزا للمهنيين وحدهم، بالنظر إلى ارتباط المهنة بشكل مباشر بحقوق المواطنين وبطريقة اشتغال العدالة ومؤسساتها.
وأوضح أن المواقف التي عبر عنها المحامون خلال المرحلة الحالية لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها ردا على تطورات آنية، بل يجب النظر إليها باعتبارها جزءا من نقاش أوسع حول المسار الذي تسلكه المهنة خلال السنوات المقبلة، خصوصا في ظل التحولات التي يعرفها قطاع العدالة والحاجة إلى الحفاظ على التوازن بين مختلف مكوناته.
وأضاف أن القرارات التي اتخذتها المؤسسات المهنية للمحامين تعكس، في هذا السياق، رغبة في الدفاع عن مستقبل المهنة وعدم حصر النقاش في الإشكالات الظرفية. ويرى الجامعي أن استمرار الخلافات دون الوصول إلى حلول عملية قد يزيد من تعقيد الوضع، ويفتح الباب أمام تداعيات قد تمتد آثارها إلى الأجيال الجديدة من المحامين.
ويترقب المحامون، في المقابل، المرحلة السياسية المقبلة وما ستفرزه من مسؤولين وحكومة جديدة، باعتبار أن طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين المسؤولين والهيئات المهنية ستكون عاملا أساسيا في تحديد مآل عدد من الملفات المطروحة. ويرتبط هذا الرهان، بحسب الجامعي، بمدى قدرة المسؤولين المقبلين على الاستماع إلى مطالب المحامين وفهم خصوصية المهنة وتاريخها وموقعها داخل منظومة القضاء.
ويشدد الجامعي على أن التعامل مع قضايا المحاماة لا يمكن أن يقتصر على معالجة الملفات المطروحة في لحظتها، بل يحتاج إلى رؤية أوسع تستحضر التحولات التي تعرفها المهنة والتحديات التي تواجهها، إلى جانب طبيعة العلاقة بين المحامي والقضاء وباقي المتدخلين في منظومة العدالة.
وفي ما يتعلق بالمحامين الشباب، رفض الجامعي اختزال الأزمة في هذه الفئة، مؤكدا أن الإشكالات المطروحة تتعلق بالجسم المهني بأكمله. ويبرز هذا الموقف أهمية تجاوز أي مقاربة تقوم على الفصل بين المحامين بحسب الأجيال، لأن التحديات المرتبطة بمستقبل المهنة، وفق هذا التصور، ستنعكس على الجميع سواء تعلق الأمر بالممارسين ذوي الخبرة أو بالمحامين الذين يلجون المهنة حديثا.
وتبرز، في هذا الإطار، الحاجة إلى توفير شروط أفضل أمام المحامين الشباب، بالنظر إلى الصعوبات التي قد تواجههم في بداية مسارهم المهني، غير أن معالجة هذه الصعوبات لا ينبغي أن تتم بمعزل عن الإصلاحات المرتبطة بالمهنة ككل. فاستقرار وضعية المحامي الشاب يبقى مرتبطا، في نهاية المطاف، بوجود بيئة مهنية ومؤسساتية قادرة على ضمان استمرارية المهنة وحماية أدوارها.
ويرى الجامعي أن الحديث عن انقسام بين المحامين القدامى والجدد لا يعكس طبيعة الوضع داخل الجسم المهني، معتبرا أن اختلاف التجارب والأجيال لا يعني اختلاف المصالح الأساسية. فالمحامون، بمختلف أجيالهم، يواجهون في نظره تحديات مشتركة تتطلب موقفا جماعيا ورؤية موحدة للدفاع عن مكانة المهنة ومستقبلها.
ويحذر، في السياق ذاته، من أن استمرار الوضع الحالي قد يجعل مستقبل المحاماة أمام تحديات أكثر تعقيدا، خصوصا إذا لم يتم التعامل مع الخلافات القائمة من خلال الحوار وإيجاد حلول تراعي خصوصية المهنة ودورها داخل منظومة العدالة. كما يرى أن أي مقتضيات قانونية تثير تحفظات واسعة لدى المهنيين تحتاج إلى نقاش جدي يأخذ بعين الاعتبار انعكاساتها على ممارسة المحاماة وعلى أوضاع المحامين.
ويربط الجامعي قوة المهنة أيضا بقدرة مؤسساتها على الحفاظ على تماسكها، معتبرا أن وحدة المحامين تشكل عاملا أساسيا في مواجهة التحديات التي تواجههم. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة قد تكون بالنسبة إلى الجسم المهني اختبارا حقيقيا لمدى قدرته على تجاوز الخلافات الداخلية وتوحيد المواقف حول القضايا التي يعتبرها أساسية بالنسبة إلى مستقبل المحاماة.
ولا يرى الجامعي أن الحل يرتبط بشكل أساسي بانتظار ما ستقرره الحكومة المقبلة، إذ يعتبر أن المحامين يعولون قبل كل شيء على قوتهم المهنية وقدرتهم على الصمود والدفاع عن مؤسساتهم. وفي هذا الإطار، سيبقى تقييم المسؤولين السياسيين المقبلين مرتبطا، بحسب هذا التصور، بمدى استعدادهم لفتح قنوات الحوار مع المحامين والتعامل مع مطالبهم باعتبارها جزءا من النقاش العام حول العدالة وسيادة القانون.
وتطرح هذه المواقف، في النهاية، مستقبل المحاماة باعتباره واحدا من الملفات التي ستحتاج إلى نقاش مؤسساتي خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار التحولات التي يعرفها قطاع العدالة. وبينما يتمسك المحامون بالدفاع عن مصالحهم المهنية، يبرز في المقابل تحدي الحفاظ على مكانة المهنة داخل منظومة العدالة وضمان قدرتها على الاستمرار في أداء أدوارها المرتبطة بالدفاع عن الحقوق والحريات.
ويؤكد هذا المسار أن النقاش حول مستقبل المحاماة لا يتعلق فقط بوضعية مهنية آنية، وإنما يمتد إلى أسئلة أعمق تتصل باستقلالية المهنة ومؤسساتها، وبالعلاقة التي تجمع المحامين بباقي مكونات العدالة. ومن هنا، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد شكل هذه العلاقة وفي مدى القدرة على تحويل الخلافات الحالية إلى فرصة لإعادة بناء الحوار حول مستقبل المهنة وشروط ممارستها.








التعليقات
0 تعليق