كوثر بوجوال
أكد سفير روسيا الاتحادية بالمغرب، إيغور أليكسييفيتش بيليايف، أن موسكو تنظر بإيجابية إلى المسار الذي تسلكه علاقاتها مع الرباط، وتقدر ما وصفه بالموقف المغربي «المحايد والمتزن» من الأزمة الأوكرانية، في وقت جدد فيه تمسك بلاده بتسوية سياسية لقضية الصحراء في إطار العملية التي تشرف عليها الأمم المتحدة.
وقال بيليايف، في أول حوار مطول له مع وسيلة إعلامية مغربية منذ تعيينه سفيرا من طرف الرئيس فلاديمير بوتين في 19 ماي الماضي، إن العلاقات المغربية الروسية تقوم على «الاحترام المتبادل والثقة ومراعاة المصالح المشتركة»، مشيرا إلى أن موسكو ترى أن إمكانات التعاون بين البلدين ما تزال أكبر من المستوى المحقق حاليا.
وتناول الدبلوماسي الروسي مجموعة من الملفات، من الصحراء والعلاقات المغربية الجزائرية إلى الحرب في أوكرانيا، والتجارة والطاقة والتعليم ووضع الطلبة المغاربة في روسيا، إضافة إلى آفاق التعاون الروسي الإفريقي.
موسكو تستحضر زيارة الملك إلى روسيا سنة 2016
اعتبر بيليايف أن زيارة الملك محمد السادس إلى روسيا في مارس 2016 شكلت محطة أساسية في بناء العلاقة الحالية بين البلدين، خصوصا بعد اعتماد الإعلان المشترك بشأن «الشراكة الاستراتيجية العميقة».
وقال إن هذه الوثيقة حافظت على أهميتها خلال السنوات الماضية رغم التحولات الدولية، مشيرا إلى استمرار الحوار السياسي والتعاون في عدد من المجالات.
ووفق السفير الروسي، يتقاسم البلدان عددا من المبادئ المرتبطة باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والالتزام بالقانون الدولي والدور المركزي للأمم المتحدة.
كما أشاد بما وصفه بالنهج «البراغماتي والمتزن» للمغرب في علاقاته مع روسيا، بما في ذلك موقف الرباط من العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، وهو توصيف يعبر عن وجهة النظر الروسية.
التجارة والزراعة والطاقة في صلب التعاون
تحدث السفير عن استمرار التعاون التجاري بين البلدين، مبرزا أن روسيا تظل من موردي الحبوب إلى السوق المغربية، في حين يصدر المغرب إلى السوق الروسية منتجات زراعية، من بينها الحمضيات والطماطم وفواكه وخضر أخرى.
لكنه اعتبر أن مستوى المبادلات الحالية لا يعكس كامل الإمكانات المتاحة، مشيرا إلى اهتمام موسكو بتطوير التعاون في الطاقة والصناعة والنقل والاقتصاد الرقمي والاستثمار والتكنولوجيا ومصايد الأسماك والسياحة والتعليم والبحث العلمي والثقافة.
ووضع الدبلوماسي الروسي التعليم ضمن المجالات التي تعرف نموا ملحوظا، موضحا أن عدد الطلبة المغاربة المسجلين في الجامعات الروسية تجاوز 4200 طالب بنهاية سنة 2025.
ويرى بيليايف أن العلاقات بين الرباط وموسكو لا تقتصر على التعاون الحكومي والاقتصادي، بل تشمل كذلك تنامي التواصل بين المواطنين والجامعات والمؤسسات الثقافية.
ما موقع المغرب في التوجه الروسي نحو إفريقيا؟
وصف السفير المغرب بأنه شريك مهم بالنسبة إلى روسيا في سياستها تجاه القارة الإفريقية، مشيرا إلى موقع المملكة الاقتصادي والسياسي وعلاقاتها مع بلدان جنوب الصحراء.
وأوضح أن موسكو تنظر إلى إفريقيا باعتبارها أحد مراكز النظام الدولي متعدد الأقطاب الذي تدافع عنه، وتقول إن تعاونها مع دول القارة يقوم على المساواة واحترام السيادة والمصالح الوطنية.
وأضاف أن روسيا ترى في المغرب شريكا ليس فقط في العلاقات الثنائية، وإنما أيضا في ملفات أوسع تشمل الأمن الغذائي والطاقة والنقل والتقنيات الرقمية والتعليم والصحة والبحث العلمي.
وفي هذا السياق، أشار إلى التحضير للقمة الثالثة «روسيا – إفريقيا»، المقررة في موسكو خلال أكتوبر من العام المقبل، معربا عن أمل بلاده في مشاركة مغربية فعالة.
روسيا تتمسك بالمسار الأممي في قضية الصحراء
في ملف الصحراء المغربية، جدد بيليايف الموقف التقليدي لموسكو القائم على دعم تسوية سياسية ودبلوماسية في إطار العملية التي تقودها الأمم المتحدة.
وقال إن روسيا تؤيد الدور المركزي لمجلس الأمن الدولي، إلى جانب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة «المينورسو»، في الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل.
كما أشار إلى ترحيب بلاده بالخطوات الهادفة إلى استئناف العملية السياسية، معبرا عن أملها في استمرار الحوار بين الأطراف المعنية.
وبحسب السفير، فإن أي تقدم في المفاوضات يتطلب، من وجهة نظر موسكو، مناخا بناء واحتراما متبادلا واستعدادا للبحث عن حلول وسط.
ولا يتضمن الموقف الذي عرضه السفير تأييدا صريحا لمقترح سياسي بعينه، بل يؤكد استمرار روسيا في دعم المسار الأممي للوصول إلى تسوية سياسية.
موسكو لا تريد علاقاتها مع الجزائر على حساب المغرب
امتد الحوار إلى التوتر بين المغرب والجزائر، حيث أكد السفير الروسي أن موسكو تحرص على الاحتفاظ بعلاقات مع مختلف دول المنطقة المغاربية.
وقال إن بلاده لا تطور علاقاتها مع دولة «على حساب» علاقاتها مع دولة أخرى، ولا ترغب في أن تصبح طرفا في الخلافات الإقليمية.
وأضاف أن روسيا تؤيد معالجة الخلافات عن طريق الحوار والوسائل السياسية والدبلوماسية، وتدعم أي جهود دولية يمكن أن تساعد على تخفيف حدة التوتر في المنطقة.
كما شدد على أن موسكو لا تعتبر نفسها وسيطا بين الرباط والجزائر ما لم يطلب الطرفان ذلك، لكنها تبقى، حسب قوله، مستعدة لمساندة المبادرات التي تستهدف توفير مناخ من الاستقرار والتعاون في شمال إفريقيا.
إشادة روسية بالموقف المغربي من حرب أوكرانيا
في واحد من أبرز محاور الحوار، قال بيليايف إن موسكو «تقدر عاليا» موقف المغرب تجاه الأزمة الأوكرانية.
ووصف السياسة المغربية في هذا الملف بأنها «مستقلة ومتزنة»، مؤكدا احترام بلاده لحق كل دولة في تحديد خياراتها الخارجية وفقا لمصالحها الوطنية.
وقال السفير إن روسيا تنظر بإيجابية إلى ما وصفه بـ«الموقف المحايد» للمملكة.
وفي حديثه عن الوضع في البحر الأسود وبحر آزوف، قدم بيليايف الرواية الروسية للتطورات العسكرية، محملا الجانب الأوكراني مسؤولية هجمات على سفن وبنيات لوجستية، ومتحدثا عن تأثير ذلك على إمدادات المنتجات الزراعية.
وتبقى هذه الاتهامات جزءا من الموقف الروسي في سياق حرب تشهد روايات متعارضة بين موسكو وكييف وحلفائهما، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها معطيات مستقلة عن أطراف النزاع.
4200 طالب مغربي في الجامعات الروسية
خصص السفير جزءا مهما من حديثه للتعاون الجامعي، مؤكدا تزايد إقبال الشباب المغربي على الدراسة في روسيا.
وأشار إلى أن أكثر من 4200 طالب مغربي كانوا يتابعون دراستهم في المؤسسات الجامعية الروسية بنهاية سنة 2025.
وحدد بيليايف الطب والعلوم الهندسية وتقنيات المعلومات والهندسة المعمارية والطاقة والزراعة والعلوم الطبيعية والإنسانية ضمن التخصصات التي توفرها الجامعات الروسية للطلاب الدوليين.
وأضاف أن الحكومة الروسية توفر منحا دراسية للطلبة الأجانب، إلى جانب برامج تحضيرية لتعلم اللغة الروسية وفرص للتبادل الأكاديمي.
كما تحدث عن رغبة موسكو في توسيع الشراكات المباشرة بين الجامعات الروسية والمغربية، بما يشمل البحث العلمي وتبادل الطلبة والأساتذة.
التحويلات المالية مشكلة تواجه الطلبة المغاربة
أقر السفير بوجود صعوبات في التحويلات البنكية بين المغرب وروسيا، خصوصا بالنسبة إلى الطلبة المغاربة وأسرهم.
وربط هذه المشكلات بالعقوبات الغربية التي تستهدف المؤسسات الروسية والقيود التي أثرت على عدد من القنوات المالية الدولية، بما فيها تلك المرتبطة باستبعاد مؤسسات روسية من منظومة «سويفت».
وقال إن السفارة تتواصل مع الجامعات والجهات المغربية من أجل المساعدة في معالجة الحالات التي تواجه صعوبات في دفع الرسوم أو تغطية مصاريف الحياة اليومية.
وأكد أن التعامل مع هذه الملفات يتم بصورة فردية بحسب كل حالة، من خلال تقديم المعلومات والتنسيق مع الجامعات والجهات المختصة.
«Pay in Russia» ضمن البدائل المطروحة
كشف بيليايف كذلك عن تطوير روسيا أدوات دفع موجهة إلى المواطنين الأجانب، من بينها خدمة «Pay in Russia».
وأوضح أن النظام يسمح، وفق عرضه، للأجانب بالحصول على بطاقات مصرفية من بنوك روسية واستخدام وسائل دفع رقمية داخل الأراضي الروسية.
كما أشار إلى توسيع استخدام آليات الدفع الوطنية والقنوات المصرفية الرقمية والبدائل المخصصة للتسويات المالية.
ويرى الجانب الروسي أن هذه الأدوات يمكن أن تخفف جزءا من المشكلات اليومية التي يواجهها الطلاب الأجانب في أداء تكاليف السكن والنقل والاتصالات والمشتريات.
علاقات تريد موسكو توسيعها لما بعد السياسة
يعكس حديث السفير الروسي رغبة موسكو في تقديم العلاقات المغربية الروسية باعتبارها شراكة تتجاوز التنسيق السياسي إلى مجالات التجارة والطاقة والتعليم والتكنولوجيا.
وفي الوقت نفسه، تظل ملفات الصحراء وأوكرانيا والعلاقات المغاربية من القضايا التي تكشف حدود التقارب ومجالات التوازن في السياسة الخارجية لكل بلد.
ففي الصحراء تتمسك روسيا بمسار الأمم المتحدة، وفي الأزمة الأوكرانية تشيد بما تعتبره حيادا مغربيا، بينما تؤكد في علاقاتها مع الرباط والجزائر أنها لا تريد بناء شراكة مع أحد الطرفين على حساب الآخر.
أما على المستوى العملي، فتبدو التجارة والتعليم والطاقة والتقنيات الحديثة ضمن المجالات التي تراهن موسكو على توسيعها خلال المرحلة المقبلة، في وقت تظل فيه معالجة الصعوبات المالية التي تواجه آلاف الطلبة المغاربة واحدة من أكثر القضايا المباشرة تأثيرا في العلاقة اليومية بين البلدين.









التعليقات
0 تعليق