فتيحة شاطر
خزّنوا الماء والطعام واستعدوا للأسوأ… هذا ما طلبته بريطانيا من مواطنيها. نحن هنا لا نتحدث فقط عن إعصار أو فيضان أو موجة برد قاسية، بل عن استعدادات لاحتمال تعرض البلاد لأزمة عسكرية كبرى قد تبدأ من دون إعلان حرب، ومن دون أن تدخل دبابة واحدة إلى الأراضي البريطانية.
تقرير مثير للقلق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» تحت عنوان: «الحرب قد تكون قادمة… فهل نحن مستعدون نفسيًا؟»، فتح نقاشًا واسعًا حول قدرة بريطانيا، دولة ومجتمعًا، على الصمود إذا انتقلت المواجهة مع روسيا من حدود أوروبا الشرقية إلى قلب البنية التحتية البريطانية.
الحكومة البريطانية بدأت تحديث ما يُعرف بـ«كتاب الحرب»، وهي الخطة التي تحدد كيف تعمل الدولة ومؤسساتها إذا تعرضت بريطانيا لأزمة عسكرية واسعة. كيف تستمر الحكومة في إدارة البلاد؟ كيف تعمل المستشفيات؟ كيف تُحمى شبكات الكهرباء والاتصالات؟ وكيف تصل المواد الغذائية والأدوية إلى السكان إذا تعطلت وسائل النقل وسلاسل الإمداد؟
وفي الوقت نفسه، تتزايد الدعوات الموجهة إلى المواطنين لتجهيز الطعام ومياه الشرب والأدوية والمصابيح والبطاريات، والاستعداد لاحتمال انقطاع الكهرباء والاتصالات وتعطل عدد من الخدمات الأساسية.
اقرأ أيضاً: اجتماع الجنرالات السري في ألمانيا… هل تُسلّم واشنطن أمن الخليج لإسرائيل؟
لكن السيناريو الذي يقلق لندن اليوم ليس بالضرورة دبابات روسية تدخل شوارع بريطانيا، أو طائرات تقصف العاصمة، أو جنودًا يعبرون الحدود. الخطر قد يبدأ بطريقة مختلفة تمامًا: هجوم سيبراني يشل مؤسسات الدولة، أو تعطيل شبكات الكهرباء والمصارف والمستشفيات، أو استهداف منشآت الطاقة، أو حتى ضرب الكابلات البحرية التي يمر عبرها جزء هائل من الإنترنت والاتصالات البريطانية.
وقد يستيقظ البريطانيون في صباح أحد الأيام ليجدوا هواتفهم بلا شبكة، والمتاجر عاجزة عن استقبال عمليات الدفع الإلكتروني، والمصارف متوقفة، والقطارات لا تعمل، والمستشفيات تواجه ضغطًا هائلًا، من دون أن يعرفوا في البداية هل يتعلق الأمر بعطل تقني أم أن بلادهم دخلت بالفعل في مواجهة غير معلنة.
هذه هي الحرب التي تخشاها لندن: حرب لا تبدأ بالرصاصة الأولى، بل بانطفاء مفاجئ للشاشات، وتوقف الخدمات، وانتشار الارتباك والخوف بين المواطنين.
والأخطر أن رئيس أركان الدفاع البريطاني يقول إن التهديد الروسي جعل البلاد تعيش أخطر مرحلة عرفها خلال مسيرته العسكرية الممتدة 35 عامًا. وهذا التحذير لا يأتي من صحفي يبحث عن عنوان مثير، بل من أعلى المستويات العسكرية المسؤولة عن تقييم المخاطر التي تواجه المملكة المتحدة.
لكن المشكلة ليست في السلاح فقط، ولا في عدد الطائرات والدبابات والصواريخ، بل في البريطانيين أنفسهم.
فبعد عقود طويلة بعيدًا عن حرب كبرى على الأراضي البريطانية، هل المجتمع مستعد نفسيًا لانقطاع الخدمات؟ هل يستطيع المواطنون تحمّل أيام من دون كهرباء أو إنترنت؟ ماذا سيحدث إذا أغلقت المتاجر أبوابها، أو نفدت بعض المواد الأساسية، أو تعطلت وسائل الدفع والنقل؟ وهل سيكون البريطانيون مستعدين أصلًا للمشاركة في الدفاع عن بلادهم إذا اتسعت المواجهة؟
اقرأ أيضاً: بين التصعيد الحوثي وحسابات الإقليم.. كيف تخطط الرياض لإعادة صياغة معادلة الردع؟
فالحروب لا تختبر قوة الجيوش وحدها، بل تختبر أيضًا قدرة المجتمعات على الصمود، ومدى ثقة المواطنين في مؤسساتهم، واستعدادهم لتحمل الخوف ونقص الإمدادات وتغير نمط حياتهم بصورة مفاجئة.
بريطانيا التي اعتادت أن تخوض حروبها بعيدًا عن أراضيها، تجد نفسها اليوم أمام احتمال وصول الحرب إلى داخل المنازل، ليس بالضرورة عبر القنابل، بل عبر قطع الكهرباء والماء والاتصالات والغذاء.
لهذا، عندما تقول لك الحكومة: احتفظ بالطعام والماء واستعد للطوارئ، فلا تنظر فقط إلى ما تضعه بريطانيا على رفوف المنازل، بل راقب أيضًا ما تستعد له خلف أبواب غرف الحرب.
لأن السؤال لم يعد: هل يمكن أن تقع مواجهة مع روسيا؟
السؤال الأخطر بات: ماذا لو بدأت المواجهة بالفعل، من دون أن يسمع أحد صوت الرصاصة الأولى؟








