أصدرت محكمة الجنايات في دمشق حكماً بالإعدام غيابياً في حق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد إلى جانب عاطف نجيب، في خطوة قضائية لافتة تهدف إلى محاسبة رموز النظام السابق. ورغم ثقل هذا القرار من الناحية القانونية، إلا أنه يطرح إشكالية معقدة تتعلق بمدى قدرة دمشق على فرض سلطتها القضائية خارج حدودها الجغرافية، خاصة وأن المحكوم عليهم يتواجدون حالياً في روسيا.
تعتمد إمكانية تحويل هذا الحكم من ورقة قضائية إلى إجراء تنفيذي فعلي على طبيعة العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات الثنائية بين دمشق وموسكو، حيث لا يملك القضاء السوري سلطة مباشرة على الأراضي الروسية. وتبرز في هذا السياق عقبات قانونية وسياسية، منها طبيعة المحاكمة الغيابية وعقوبة الإعدام التي قد تشكل عائقاً أمام طلبات التسليم في ظل تباين القوانين الدولية والروسية.
تُعد اتفاقية التعاون القضائي المبرمة بين البلدين إطاراً قانونياً نظرياً، غير أن تفعيلها يظل رهيناً بالقرار السياسي في موسكو. فالمسألة تتجاوز حدود النص القانوني لتصبح اختباراً لمدى استعداد روسيا للتعامل مع مخرجات القضاء السوري الجديد، مما يجعل من الحكم الصادر مجرد بداية لمسار طويل من الملاحقات الدولية التي قد لا تفضي بالضرورة إلى نتائج ملموسة.
تظل أدوات الملاحقة الدولية، مثل النشرات الحمراء للإنتربول، خاضعة لقوانين الدول المضيفة، مما يعني أن الحكم السوري لا يمنح السلطات صلاحية الاعتقال التلقائي في الخارج. وتتطلب هذه العملية تقديم ضمانات قانونية كافية حول نزاهة الإجراءات وحقوق الدفاع، وهو ما يضع النظام القضائي السوري أمام تحدي إثبات أن هذه المحاكمات تستند إلى معايير العدالة الانتقالية وليس إلى دوافع انتقامية.
يبقى الحكم القضائي في جوهره وثيقة قانونية تنتظر اختباراً حقيقياً في العواصم الدولية، حيث يتوقف نجاح دمشق في هذا الملف على قدرتها على إقناع المجتمع الدولي بجدية أدلتها ومسؤوليتها الفردية عن الجرائم المنسوبة للمتهمين. وبذلك، ينتقل ملف الأسد من أروقة المحاكم في العاصمة السورية إلى طاولات المفاوضات الدولية، ليصبح الاختبار الحقيقي هو مدى تمدد سيادة القانون السوري إلى ما وراء الحدود.








التعليقات
0 تعليق