تجد الحكومة البريطانية بقيادة آندي بيرنهام نفسها أمام تحدٍ وجودي يهدد تماسك المنظومة العقابية، حيث أصبحت الطاقة الاستيعابية للسجون هي المعيار الذي يحدد مصير المحكومين، متجاوزة في كثير من الأحيان الأحكام القضائية الصادرة. هذا الوضع دفع رئيس الوزراء إلى موازنة دقيقة بين تهدئة غضب الشارع الرافض للإفراج المبكر عن المدانين، وبين تفادي الانهيار الوشيك لنظام السجون الذي يعاني من ضغط غير مسبوق.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى قانون الأحكام القضائية لعام 2026 الذي أقر في يناير الماضي، والذي يهدف إلى تقليص مدد الإفراج التلقائي لتخفيف الاكتظاظ. ورغم أن الحكومة أرجأت تطبيق هذه القواعد من سبتمبر إلى أكتوبر استجابةً للاعتراضات، إلا أن جوهر الأزمة ظل قائماً، خاصة مع تزايد المخاوف الشعبية من شمول التعديلات لمدانين في قضايا جنائية جسيمة.
وقد برزت قضية قتلة الشرطي أندرو هاربر كواحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث أثار احتمال إطلاق سراح جيسي كول وألبرت باورز في يناير 2027 موجة احتجاجات واسعة، توجت بعريضة تجاوزت مليون توقيع ومطالبات من قيادات أمنية بوقف هذا الإجراء، مما وضع بيرنهام في موقف حرج أمام الرأي العام الذي يرى في هذه الخطوة انتقاصاً من العدالة.
وفي محاولة لاحتواء الغضب، استثنت السلطات جرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية الخطيرة، إلا أن هذا الإجراء خلق تحدياً إضافياً، حيث أدى استبعاد فئات معينة إلى زيادة الضغط على المساحات المتاحة داخل السجون. ومع وصول عدد النزلاء في إنجلترا وويلز إلى حوالي 89.5 ألف سجين في أغسطس، تحذر وزارة العدل من تجاوز الطاقة الاستيعابية بحلول شهر نوفمبر المقبل.
وتواجه الحكومة معضلة زمنية، إذ لا تتوفر حلول سريعة مثل بناء سجون جديدة، وهي عملية تتطلب سنوات، بينما يفرض الواقع حلاً عاجلاً. وتتنوع الخيارات أمام بيرنهام بين تشديد المراقبة الإلكترونية على المفرج عنهم أو توسيع قائمة الاستثناءات، لكن كل خيار يحمل تبعات قد تفاقم أزمة الاكتظاظ أو تزيد من حدة الاحتقان الشعبي.
إن التساؤل الجوهري الذي يواجه الإدارة البريطانية اليوم يتجاوز الجوانب الإجرائية، ليصل إلى جوهر هيبة القضاء، فمع تحول الإفراج المبكر من إجراء تأهيلي إلى ضرورة لوجستية لتفريغ الزنازين، باتت ثقة الجمهور في الأحكام القضائية على المحك، مما يطرح تساؤلاً ملحاً حول من يملك الكلمة الفاصلة في تحديد العقوبة الفعلية: القاضي أم سعة السجن.








التعليقات
0 تعليق