نجحت الاستخبارات المغربية في لعب دور محوري لإنهاء حالة الجمود الدبلوماسي والعسكري التي ميزت علاقات فرنسا ومالي مؤخراً، حيث ساهمت جهود الرباط الهادئة في التوصل إلى تسوية معقدة أعادت فتح قنوات التواصل بين الإليزيه وقصر كولوبا.
تعود جذور هذه الأزمة إلى غشت 2025، حينما أوقفت السلطات المالية ليان كريستيان برنار فيزيلييه، الذي كان يشغل رسمياً منصب سكرتير ثانٍ بالسفارة الفرنسية، قبل أن تتوصل باماكو إلى قناعة بأنه عنصر تابع للمديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي. وتفاقمت القضية في يونيو 2026 بصدور حكم قضائي يقضي بسجن المعني لمدة عشرين عاماً بتهم تتعلق بمحاولة تقويض استقرار النظام العسكري الحاكم.
وجاء الانفراج المفاجئ في 13 غشت الماضي، عندما أصدر العقيد أسيمي غويتا عفواً رئاسياً عن الضابط الفرنسي، في خطوة أعقبت بياناً مالياً مقتضباً أشار إلى تدخل “دولة شقيقة”. وأكدت تقارير استخباراتية متخصصة، منها “أنتلجنس أونلاين”، أن الرباط كانت الطرف الفاعل الذي قاد هذه الوساطة بنجاح.
تستند هذه القدرة المغربية على اختراق جدار انعدام الثقة إلى استراتيجية دبلوماسية اختارت “المسافة الآمنة” منذ البداية، حيث حرص المغرب على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الساحل، مع الحفاظ على روابط مؤسساتية وروحية واقتصادية متينة، بعيداً عن سياسة العقوبات التي انتهجتها أطراف دولية أخرى.
عزز هذا التموقع الرصيد الاستراتيجي للمغرب لدى النخب الحاكمة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خاصة بعد إطلاق المبادرة الأطلسية أواخر عام 2023. وقد أظهرت هذه الوساطة تحولاً في طبيعة التعاون الأمني بين الرباط وباريس، حيث لم يعد الدور المغربي مقتصرًا على كونه درعاً لمكافحة الإرهاب والهجرة، بل أصبح فاعلاً استخباراتياً قادراً على إدارة الأزمات الدولية.
تؤكد هذه الواقعة أن المغرب أضحى اليوم جسراً ضرورياً للقوى الأوروبية الساعية لترتيب أوراقها في القارة الإفريقية، معتمداً في ذلك على دبلوماسية ناعمة وفعالة قادرة على التحرك في مناطق التوتر المعقدة بحرفية عالية.








التعليقات
0 تعليق