تتفاقم التحديات أمام الجهود الدبلوماسية الرامية لتهدئة الأوضاع في جنوب لبنان، حيث تسبق الوتيرة الميدانية المتسارعة قدرة المفاوضات التي ترعاها واشنطن على فرض استقرار دائم. وبينما تترقب بيروت تحديد موعد لجولة جديدة من الحوار، تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية التي تشمل القصف والتفجير وهدم البنيات التحتية في عدة بلدات، مما يضع مستقبل الاتفاق أمام تحديات حقيقية.
وثقت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان استمرار القصف المدفعي وعمليات التفجير في مناطق متفرقة، شملت المنصوري ومجدل زون وبيوت السياد، بالتزامن مع تحليق مكثف للمسيرات الإسرائيلية فوق القطاعين الغربي والأوسط. وتأتي هذه التحركات الميدانية في ظل نتائج محدودة للجولة السابعة من المفاوضات التي استضافتها روما، والتي اصطدمت بتعقيدات تتعلق بآليات الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات التحقق، فضلاً عن ملف سلاح حزب الله.
وتركزت النقاشات السابقة، وفق تقارير دولية، على توسيع نطاق ما يسمى بـ”المناطق التجريبية” لنقل المسؤولية الأمنية تدريجياً للجيش اللبناني، مع بروز مناطق مثل زوطر الغربية ضمن هذا الإطار. إلا أن التباين في الأولويات يظل سيد الموقف؛ ففي حين تسعى بيروت لانتزاع انسحاب إسرائيلي ملموس، تصر تل أبيب على ربط الترتيبات الأمنية بضمانات صارمة بشأن سلاح الحزب ومنع عودته إلى المناطق التي يتم إخلاؤها.
وفي السياق ذاته، يرى الخبير العسكري حسن جوني أن عمليات الهدم التي طالت بلدات مثل كونين وطلوسة تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة، لتصل إلى إعادة تشكيل البيئة الجغرافية للجنوب. ووفقاً لتحليله، فإن هذه الإجراءات تهدف إلى تأمين رؤية أوسع للقوات الإسرائيلية والضغط على الحاضنة الشعبية للحزب، وإن كانت هذه الرؤية تظل في إطار التقديرات السياسية والعسكرية.
وتواجه الحكومة اللبنانية ضغوطاً متزايدة مع استمرار التصعيد، حيث بات من الصعب تبرير جدوى المسار التفاوضي في ظل غياب الهدوء الميداني. وتتعقد الصورة أكثر مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر، وهو ما قد يحول الملف الأمني إلى ورقة تجاذب سياسي داخلي، بالإضافة إلى تداخل الملفات الإقليمية التي تجعل من الصعب فصل التطورات اللبنانية عن المسارات الأميركية-الإيرانية.
وختاماً، يبدو أن الوقت يعمل ضد الدبلوماسية؛ فبينما تتطلب التفاهمات السياسية صبراً طويلاً، يمكن لحدث ميداني واحد أن يقلب الطاولة. وتظل الدولة اللبنانية متمسكة بخيار التفاوض لتجنب الانزلاق نحو تصعيد مفتوح، في انتظار ما ستؤول إليه الوساطة الأميركية في تحويل التفاهمات إلى واقع ملموس على الأرض، وإلا فإن الميدان قد يفرض قواعده الخاصة بعيداً عن أروقة الدبلوماسية.








التعليقات
0 تعليق