احتضنت العاصمة الأردنية عمان يوم الأحد الماضي لقاءً غير معلن جمع وفداً سورياً رفيع المستوى، ضم وزير الخارجية أسعد الشيباني ومسؤولين من الاستخبارات العسكرية والعامة، بوفد إسرائيلي ترأسه رئيس جهاز الموساد رومان غوفمان. وجاء هذا الاجتماع في إطار مسار توسطت فيه الولايات المتحدة لتهدئة الأوضاع بين دمشق وتل أبيب، بعد تصاعد التوترات في المنطقة، حيث أكدت عمان أن استضافتها للحدث جاءت تلبية لطلب سوري لتعزيز التهدئة.
تتجاوز أهداف الأردن من هذا التحرك مجرد القيام بدور الوسيط البروتوكولي، إذ تسعى المملكة لضمان وجودها داخل غرفة إدارة الأزمات الإقليمية. وتدرك عمان أن أي تفاهمات أمنية تُبرم في جنوب سوريا ستؤثر بشكل مباشر على أمنها القومي، خاصة فيما يتعلق بضبط الحدود ومكافحة التهريب ومنع تدفق السلاح، مما يجعل الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الأطراف المعنية ضرورة استراتيجية للتدخل الاستباقي قبل تفاقم الأزمات.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن النقاشات لم تقتصر على خفض التصعيد، بل امتدت لتشمل مقترحات بإنشاء آلية تنسيق أو غرفة عمليات مشتركة بإشراف أمريكي لمنع الاحتكاك العسكري. وتستند عمان في هذا الدور إلى تجارب سابقة في التعامل مع ملفات الجنوب السوري والسويداء، محاولةً تحويل التكليف الأمريكي إلى نفوذ سياسي وأمني يعزز من قيمتها التفاوضية، خاصة مع تزايد المخاوف من انعكاسات التوترات الإقليمية على استقرار المملكة.
وعلى الرغم من إدانة الأردن الرسمية للغارات الإسرائيلية الأخيرة، لا سيما القصف الذي استهدف قاعدة أبو الظهور في إدلب، إلا أنها تراهن على التواصل مع المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية باعتبارها قنوات أكثر عقلانية من الخطاب السياسي لليمين المتطرف. ويأتي هذا في وقت يترقب فيه الأردن تداعيات الانتخابات الإسرائيلية، خشية أن تؤدي حسابات اليمين إلى تأجيج الأوضاع في الضفة الغربية، وهو الملف الذي يشكل الهاجس الأكبر للسياسة الأردنية.
في المقابل، تواجه الحكومة الأردنية ضغوطاً شعبية واسعة ترفض أي تقارب مع إسرائيل في ظل التطورات الراهنة في الأراضي الفلسطينية. ويرى منتقدو هذه الاستضافة أن الأردن يتحمل كلفة سياسية دون ضمان مكاسب ملموسة، بينما يرى المدافعون عن النهج الرسمي أن عمان تدير شبكة أزمات متداخلة تفرض عليها الانخراط في هذه المسارات لحماية مصالحها الحيوية.
يبقى التساؤل المطروح حول ما إذا كانت هذه الاستضافة ستتحول إلى آلية تنسيق مستدامة تمنح الأردن موقعاً مؤثراً، أم ستظل حدثاً عابراً ينتهي بانتهاء اللقاء. إن الاختبار الحقيقي لعمان يكمن في قدرتها على تحويل دور المضيف إلى نفوذ حقيقي يجنبها تبعات التصعيد الإقليمي، دون أن تجد نفسها عالقة في أزمات تتجاوز طاقتها على الاحتواء.








التعليقات
0 تعليق