منال الهداوي
يواصل ميناء الداخلة الأطلسي ترسيخ مكانته ضمن أبرز المشاريع الكبرى التي يجري إنجازها في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بعدما بلغت نسبة تقدم الأشغال نحو 65 في المائة، في مؤشر على دخول هذا الورش مرحلة متقدمة من التنفيذ، وسط تطلعات إلى استكمال مختلف مكوناته بحلول نهاية سنة 2028، تمهيدا لانطلاق استغلاله خلال سنة 2029.
ويأتي هذا المشروع في سياق توجه المغرب نحو تطوير بنياته التحتية البحرية واللوجستية، وتعزيز قدرته على استقطاب الاستثمارات وربط اقتصاده بالأسواق الإفريقية والدولية. كما يعكس حجم الأشغال الجارية أهمية الرهانات المرتبطة بالميناء، الذي ينتظر أن يشكل إضافة نوعية للمنظومة الاقتصادية بجهة الداخلة وادي الذهب، ويفتح آفاقا جديدة أمام الأنشطة التجارية والصناعية والخدماتية.
وفي هذا الإطار، تتواصل عمليات البناء والتجهيز بوتيرة متقدمة، بمشاركة أكثر من 1800 عامل يسهمون في تنفيذ مختلف مكونات المشروع. وتعتمد الأشغال نظام عمل يهدف إلى ضمان استمرارية الإنجاز على مدار الساعة، بما يساعد على احترام الآجال المحددة وتسريع وتيرة التنفيذ، مع مواصلة العمل على المنشآت الأساسية التي ستشكل العمود الفقري لهذا المرفق البحري المستقبلي.
ولا تقتصر أهمية ميناء الداخلة الأطلسي على حجم المنشآت التي يجري تشييدها، بل تمتد إلى طبيعة التحولات الاقتصادية التي يرتقب أن يساهم فيها بعد دخوله حيز الخدمة. فالمشروع يتجاوز مفهوم البنية التحتية المينائية التقليدية، ليرتبط برؤية أوسع تروم إحداث فضاء متكامل يجمع بين النقل البحري والأنشطة الصناعية والخدمات اللوجستية، ويوفر الظروف الملائمة لتطوير سلاسل الإنتاج والتوزيع.
إقرأ أيضا : رار-عاملي-جديد-لتخفيف-اكتظاظ-ميناء-
وبالتوازي مع تشييد الميناء، يتضمن المشروع إحداث منطقة صناعية ولوجستية تمتد على مساحة تفوق 1650 هكتارا، وهي مساحة واسعة من شأنها توفير إمكانات مهمة لاحتضان أنشطة اقتصادية متنوعة. ومن المنتظر أن تتيح هذه المنطقة فرصا أمام المستثمرين لإقامة مشاريع صناعية وخدماتية، والاستفادة من القرب من المنشآت المينائية لتسهيل نقل البضائع وتخزينها وتوجيهها نحو وجهات مختلفة.
ومن شأن هذا التكامل بين الميناء والمنطقة الصناعية واللوجستية أن يعزز فرص خلق مناصب الشغل، سواء خلال مرحلة استكمال الأشغال أو بعد بدء الاستغلال، عندما تنطلق الأنشطة التجارية والصناعية المرتبطة بالمشروع. كما يمكن أن يساهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتوسيع قاعدة الأنشطة المدرة للدخل، وفتح المجال أمام المقاولات والخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين والصيانة والتوزيع.
وعلى المستوى الجهوي، يرتقب أن يمنح المشروع دفعة جديدة للدينامية الاقتصادية بجهة الداخلة وادي الذهب، من خلال تعزيز جاذبية المنطقة أمام الاستثمارات التي تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على تسهيل حركة السلع والمواد الأولية والمنتجات النهائية. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة سيظل مرتبطا بمدى استقطاب المشاريع الاستثمارية، وتوفير الكفاءات البشرية، وتطوير الخدمات المرافقة، وضمان اندماج الأنشطة الجديدة في النسيج الاقتصادي المحلي.
أما على المستوى الإفريقي، فينتظر أن يساهم ميناء الداخلة الأطلسي في تقوية المبادلات التجارية بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا ودول الساحل، مستفيدا من موقعه الجغرافي على الواجهة الأطلسية. ويمنح هذا الموقع المشروع إمكانات للمساهمة في تطوير مسارات جديدة لنقل البضائع وتعزيز الربط اللوجستي مع الأسواق الخارجية، بما يدعم طموح المملكة إلى توسيع حضورها الاقتصادي داخل القارة الإفريقية.
وتبرز أهمية هذا الرهان في ظل الحاجة إلى بنية تحتية قادرة على مواكبة نمو المبادلات التجارية، وتيسير حركة السلع بين مناطق الإنتاج والأسواق الاستهلاكية. فالميناء، إلى جانب المنطقة الصناعية المرتبطة به، يمكن أن يشكل فضاء لاستقبال الاستثمارات التي تبحث عن مواقع استراتيجية قريبة من طرق التجارة البحرية، كما قد يتيح فرصا أمام الفاعلين الاقتصاديين لتطوير أنشطتهم وتوسيع نطاق عملياتهم.
وفي المقابل، يظل نجاح المشروع رهينا بقدرته على تجاوز مرحلة البناء نحو تشغيل اقتصادي فعلي، يستند إلى استقطاب الشركات والمستثمرين، وتحسين الربط مع شبكات النقل والخدمات، وتوفير بيئة ملائمة لتطوير الأنشطة الإنتاجية والتصديرية. كما أن الأثر المنتظر على التشغيل والتنمية سيحتاج إلى مواكبة مستمرة تضمن استفادة المنطقة من الفرص التي قد يتيحها هذا الورش الكبير.
ومع استمرار الأشغال وتقدم مراحل الإنجاز، تتجه الأنظار إلى الموعد المرتقب لاستكمال المشروع في نهاية سنة 2028، قبل دخوله حيز الاستغلال خلال سنة 2029. وبين الطموحات الاقتصادية المرتبطة به والتحديات التي ترافق تشغيل المنشآت الكبرى، يبرز ميناء الداخلة الأطلسي باعتباره مشروعا تتجاوز رهاناته حدود النقل البحري، ليرتبط بمستقبل الاستثمار والتجارة والتنمية في الأقاليم الجنوبية، وبإمكانات تعزيز موقع المغرب بوابة اقتصادية ولوجستية نحو العمق الإفريقي.







