منال الهداوي
تستعد مدينة فاس لاستكشاف آفاق جديدة في مجال السياحة من خلال مشروع تلفريك مرتقب يطمح إلى تقديم تجربة مختلفة لاكتشاف المعالم التاريخية والتراثية للعاصمة العلمية للمملكة. ويأتي هذا التوجه في سياق البحث عن وسائل مبتكرة لتثمين المؤهلات السياحية التي تزخر بها المدينة، وتعزيز قدرتها على استقطاب الزوار المغاربة والأجانب، عبر الجمع بين جمال المشاهد التاريخية وتطور وسائل التنقل والترفيه السياحي.
ويفتح مشروع تلفريك فاس الباب أمام تصور جديد للجولات السياحية، يقوم على تمكين الزوار من مشاهدة أجزاء من المدينة العتيقة ومحيطها من زوايا مرتفعة، بما يسمح باكتشاف تفاصيل عمرانية وتاريخية قد لا تتضح بالقدر نفسه خلال الزيارات التقليدية. كما يعكس هذا المشروع توجها نحو تنويع العرض السياحي، من خلال إضافة تجربة تجمع بين التنقل والاستمتاع بالمشهد الحضري واستحضار الذاكرة التاريخية لواحدة من أعرق المدن المغربية.
وفي هذا الإطار، أطلق المركز الجهوي للاستثمار بجهة فاس مكناس طلب إبداء الاهتمام الموجه إلى الشركات والمستثمرين والتجمعات الاقتصادية الوطنية والدولية، بهدف استقطاب الجهات القادرة على المساهمة في تصميم المشروع وإنجازه واستغلاله. وتتيح هذه الخطوة فتح المجال أمام الفاعلين المتخصصين لتقديم تصوراتهم التقنية والمالية، قبل الانتقال إلى مراحل اختيار الجهة التي ستتولى تنفيذ المشروع وفق الشروط المحددة.
ويقوم التصور الأولي للمشروع على إحداث منظومة نقل بواسطة مقصورات معلقة على حبال فولاذية، تتحرك بين محطات عبر مسارات مرتفعة. ومن شأن هذه الصيغة، في حال إنجاز المشروع وفق التصور المعلن، أن تمنح الزوار فرصة لمشاهدة المشهد العمراني لفاس من منظور مختلف، مع توفير تجربة سياحية تستحضر الخصوصية التاريخية والمعمارية للمدينة.
إقرأ أيضا : مجلس-جهة-فاس-مكناس-يطلق-مشاريع-جديدة-لد
ولا يتعلق الأمر بمجرد إضافة وسيلة ترفيهية جديدة، بل بفرصة لإعادة التفكير في كيفية تقديم التراث المحلي للزوار. فمدينة فاس تمتلك رصيدا تاريخيا ومعماريا غنيا، وتضم فضاءات عتيقة وأزقة وأسواقا تقليدية ومعالم تعكس مراحل متعددة من تاريخ المغرب. ويمكن لتجربة التلفريك أن تساهم في استكمال مسارات الزيارة الموجودة، من خلال تقديم مدخل إضافي للتعرف على المدينة ومحيطها، دون أن تحل محل التجول المباشر داخل أحيائها التاريخية.
ومن جهة أخرى، يبرز تحسين الولوج إلى المواقع السياحية ضمن الأهداف المرتبطة بالمشروع، خاصة عبر التفكير في تنويع وسائل التنقل وتسهيل الاستفادة من التجربة بالنسبة إلى الأشخاص ذوي القدرة المحدودة على الحركة. غير أن تحقيق هذه الغاية سيظل مرتبطا بالتصميم النهائي للمحطات والمسارات، ومدى مراعاة معايير الولوج والسلامة والراحة في مختلف مراحل الاستغلال.
وتشكل مسألة الاندماج مع النسيج العمراني والتراثي أحد أبرز التحديات التي يتعين أخذها بعين الاعتبار عند تطوير المشروع. فخصوصية فاس لا تكمن فقط في المعالم التاريخية المنفردة، بل تشمل كذلك طبيعة المشهد العمراني وتناسق مكوناته والارتباط الوثيق بين المدينة وذاكرتها الحضارية. ولذلك، فإن اختيار المسارات ومواقع المحطات والتجهيزات المرتبطة بالتلفريك يحتاج إلى تصور يوازن بين متطلبات الاستثمار السياحي وضرورة المحافظة على الطابع التاريخي للمدينة.
كما تبرز أهمية ضمان الاستدامة البيئية والتشغيلية للمنشأة، من خلال اعتماد حلول تقنية تستجيب لمعايير السلامة وتراعي طبيعة المجال الحضري الذي ستقام فيه. ويشمل ذلك دراسة تأثير المشروع على المحيط، وتحديد حاجيات الصيانة والتدبير، وتوفير الشروط الضرورية لاستقبال الزوار في ظروف ملائمة. فنجاح أي مشروع سياحي من هذا النوع لا يرتبط فقط بجاذبية فكرته، وإنما أيضا بقدرته على الاستمرار وتقديم خدمة موثوقة على المدى الطويل.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمكن أن يفتح المشروع المجال أمام فرص جديدة مرتبطة بالخدمات السياحية والنقل والاستقبال والتسويق المحلي، فضلا عن إمكانية تشجيع الزوار على تمديد مدة إقامتهم بالمدينة. كما قد تستفيد الأنشطة التجارية والحرفية والمطاعم ومؤسسات الإيواء من تنويع التجارب المتاحة أمام السياح، شريطة أن يندمج المشروع ضمن رؤية متكاملة تشمل مختلف مكونات العرض السياحي بفاس.
وفي السياق نفسه، يتطلب تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة توفير تنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن تكامل المشروع مع المسارات السياحية القائمة والخدمات المرافقة لها. فالتلفريك، مهما كانت جاذبيته، لن يكون بديلا عن جودة الاستقبال، وتوفير المعلومات السياحية، وتحسين ظروف التنقل، والعناية بالفضاءات التاريخية، بل يمكن أن يشكل عنصرا إضافيا ضمن منظومة أوسع لتطوير السياحة المحلية.
وبخصوص مسطرة اختيار المستثمرين، فقد جرى اعتماد مرحلتين أساسيتين. وتهم المرحلة الأولى الانتقاء الأولي للمترشحين بناء على مجموعة من المعايير، تشمل الخبرة المهنية والمراجع السابقة، إلى جانب التصور التقني الأولي للمشروع ودراسة مالية تمهيدية. وتهدف هذه المرحلة إلى تحديد الجهات التي تتوفر على المؤهلات اللازمة للمضي قدما في تطوير التصور المقترح.
أما المرحلة الثانية، فستخصص للاختيار النهائي انطلاقا من الملفات المتكاملة التي سيقدمها المترشحون المقبولون خلال الانتقاء الأولي. ومن المنتظر أن تسمح هذه المسطرة بمقارنة المقترحات المقدمة وتقييم مدى ملاءمتها للأهداف المحددة، بما يشمل الجوانب التقنية والمالية وشروط الإنجاز والاستغلال.
وحدد يوم 9 يناير 2027 آخر أجل لإيداع ملفات الترشيح الخاصة بمرحلة الانتقاء الأولي، وذلك بمقر المركز الجهوي للاستثمار بجهة فاس مكناس، داخل ظرف مغلق يحمل عبارة «طلب إبداء الاهتمام – مشروع تلفريك بمدينة فاس – مرحلة الانتقاء الأولي».
وبين طموح تقديم تجربة سياحية مبتكرة ومتطلبات الحفاظ على التراث، يضع مشروع تلفريك فاس المدينة أمام فرصة لتوسيع خيارات اكتشافها وتعزيز حضورها ضمن الوجهات الثقافية بالمغرب. وتبقى الخطوات المقبلة، من اختيار المستثمرين إلى تحديد المسارات والتصميم النهائي وشروط الاستغلال، حاسمة في توضيح الشكل الذي سيأخذه المشروع ومدى قدرته على الجمع بين الجاذبية السياحية واحترام الهوية التاريخية للعاصمة العلمية.







