سياسة

سانشيز يراهن على تهدئة التوتر مع المغرب بعد زيارة سبتة ومليلية

20:03 · 15/10/2026

منال الهداوي

تمسك رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بضرورة الحفاظ على علاقات مستقرة وبناءة مع المغرب، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن الانعكاسات الدبلوماسية المحتملة لزيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى مدينتي سبتة ومليلية. واختار المسؤول الإسباني التأكيد على أهمية التعاون بين البلدين، متجنبا تقديم أي موقف واضح بشأن طبيعة الرد المغربي المحتمل على هذه الزيارة، التي تأتي في سياق حساس يرتبط بالتطورات الأخيرة في المدينتين ومستقبل العلاقات الثنائية.

وجاءت تصريحات سانشيز خلال وصوله إلى العاصمة البلجيكية بروكسيل للمشاركة في اجتماع المجلس الأوروبي، حيث شدد على أن مدريد تواصل العمل من أجل الحفاظ على علاقات تقوم على حسن الجوار والتفاهم المتبادل مع الرباط. ويعكس هذا الموقف حرص الحكومة الإسبانية على تفادي أي تصعيد سياسي قد يؤثر على مسار التعاون القائم بين البلدين، خصوصا في ظل الملفات المشتركة التي تتطلب تنسيقا مستمرا على المستويين الأمني والهجروي.

وفي المقابل، لم يقدم رئيس الحكومة الإسبانية توضيحات بشأن ما إذا كانت زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية قد أثارت تحفظات لدى السلطات المغربية، كما امتنع عن استباق الموقف الذي قد تتخذه الرباط في هذا الشأن. ويبرز هذا التحفظ رغبة مدريد في إبقاء باب التواصل مفتوحا، بعيدا عن التصريحات التي قد تزيد من حساسية الوضع أو تدفع العلاقات الثنائية نحو مرحلة جديدة من التوتر.

وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تحتلها سبتة ومليلية في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ تظل المدينتان من القضايا المرتبطة بحسابات سياسية وتاريخية معقدة. ولذلك، فإن أي تحرك رسمي إسباني في المنطقة يحظى باهتمام واسع، بالنظر إلى ما يمكن أن يحمله من رسائل سياسية، سواء على المستوى الداخلي الإسباني أو في علاقات مدريد مع جارتها الجنوبية.

وفي هذا السياق، قدم سانشيز زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا باعتبارها خطوة إضافية نحو استعادة الاستقرار في سبتة، بعد الاضطرابات التي شهدتها المدينة خلال نهاية يوليوز الماضي. كما اعتبر أن حضور المؤسسة الملكية في المدينتين يحمل دلالة مؤسساتية، ويؤكد اهتمام الدولة الإسبانية بأوضاعهما في مرحلة تتطلب معالجة تداعيات الأحداث الأخيرة.

إقرأ أيضا : المعارضة-الإسبانية-تتهم-حكومة-سانشي

وتأتي هذه الزيارة في أعقاب موجة دخول جماعي لآلاف الأشخاص خلال يومي 30 و31 يوليوز، وهي التطورات التي وضعت السلطات الإسبانية أمام تحديات أمنية وإنسانية وإدارية. وقد دفعت هذه الأحداث الحكومة إلى اتخاذ تدابير متعددة بهدف احتواء الوضع وتدبير آثاره، في وقت أصبح فيه ملف الهجرة أحد أبرز العناوين التي تؤثر على النقاش السياسي المرتبط بالعلاقات مع المغرب.

وبحسب المعطيات التي قدمها سانشيز، فقد عاد أكثر من 12 ألف شخص إلى المغرب منذ العاشر من غشت الماضي، في إطار التدابير التي اتخذتها السلطات الإسبانية للتعامل مع تداعيات الأزمة. ويشير هذا الرقم إلى حجم التحركات التي أعقبت الأحداث، كما يعيد تسليط الضوء على الدور الذي يلعبه التنسيق بين الرباط ومدريد في تدبير قضايا الهجرة ومراقبة الحدود.

ومن جهة أخرى، تحاول الحكومة الإسبانية إظهار قدرتها على استعادة الاستقرار في سبتة، مع التأكيد على أن معالجة الوضع لا تنفصل عن استمرار التواصل مع المغرب. فالتحديات المرتبطة بالهجرة لا يمكن التعامل معها من خلال الإجراءات الداخلية وحدها، بل تحتاج أيضا إلى تعاون بين الدول المعنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بحركة الأشخاص ومراقبة الحدود وتنسيق التدخلات الأمنية.

وفي ملف آخر، عاد سانشيز إلى الجدل الذي رافق دخول سفن حربية مغربية إلى المياه المحيطة بسبتة خلال أحداث نهاية يوليوز، موضحا أن الأمر كان حادثا عرضيا جرى احتواؤه عبر قنوات الاتصال بين القوات البحرية للبلدين. وحرص المسؤول الإسباني على التقليل من احتمالات تحول هذه الواقعة إلى أزمة مستمرة، مؤكدا أن التواصل بين الجانبين ظل قائما وأن آليات التنسيق تعمل بصورة اعتيادية.

وأضاف أن الفترة التي أعقبت الواقعة لم تشهد تسجيل حوادث مماثلة، وهو ما اعتبره مؤشرا على استمرار التواصل العسكري وقدرته على احتواء المواقف الحساسة. وتكتسب هذه الإشارة أهمية في ظل الحاجة إلى تفادي أي سوء تقدير ميداني قد تكون له انعكاسات سياسية، خصوصا في المناطق التي تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الملفات السيادية والخلافات التاريخية.

ومع ذلك، فإن تأكيد مدريد على استمرار العلاقات البناءة مع الرباط لا يعني بالضرورة أن جميع الملفات الخلافية بين الطرفين قد حسمت، بل يعكس توجها نحو الفصل بين الحوادث الظرفية والحاجة الاستراتيجية إلى الحفاظ على التعاون الثنائي. فالعلاقات المغربية الإسبانية ترتبط بمجموعة واسعة من المصالح المتبادلة، تشمل الأمن والهجرة والتجارة والتنسيق الإقليمي، وهي ملفات تجعل الاستقرار بين البلدين عاملا أساسيا في مواجهة التحديات المشتركة.

كما أن تجنب سانشيز التعليق على رد فعل مغربي محتمل يترك المجال مفتوحا أمام مختلف الاحتمالات، دون أن يقدم مؤشرات حاسمة بشأن المسار الذي قد تسلكه العلاقات في المرحلة المقبلة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح التواصل الدبلوماسي عاملا مهما لتفادي التصعيد، خصوصا عندما تتداخل الزيارات الرسمية مع قضايا تحظى بحساسية سياسية لدى الجانبين.

وبين الرسائل التي حملتها زيارة العاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية، والتأكيدات الحكومية على مواصلة التعاون مع المغرب، تبدو مدريد حريصة على الجمع بين إظهار دعمها للمدينتين والحفاظ على قنوات التواصل مع الرباط. ويبقى الاختبار الأساسي خلال المرحلة المقبلة مرتبطا بمدى قدرة البلدين على تدبير الملفات الحساسة بهدوء، ومنع أي تطورات ظرفية من التأثير على المصالح المشتركة.

وفي انتظار اتضاح الموقف المغربي من الزيارة، يواصل سانشيز التمسك بخطاب حسن الجوار، مع تجنب الخوض في تفاصيل قد تزيد من حدة الجدل. ويعكس هذا النهج إدراكا لأهمية العلاقات الثنائية في محيط إقليمي تتشابك فيه التحديات الأمنية والسياسية، كما يؤكد أن استمرار الحوار يظل أحد الخيارات الأساسية لتفادي التوتر والحفاظ على الاستقرار بين المغرب وإسبانيا.