إعلان
980×90
مساحة إعلانية
علاقات و دبلوماسية

العلمي الحروني.. هل تدفع واشنطن وتل أبيب نحو تفكيك أوروبا انطلاقا من البوابة الإسبانية؟

09:40 · 14/09/2026

ياسر الرقاص

تواجه أوروبا، انطلاقا من حدودها الجنوبية الإسبانية، امتحانا وجوديا يهدد أسس تماسكه الداخلي، في ظل ضغوط جيوسياسية متصاعدة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وحليفها الإسرائيلي، وفي هذا السياق، يرى الأستاذ العلمي الحروني، منسق تيار “اليسار الجديد المتجدد”، أن الأزمات المتتالية التي تستهدف مدريد مؤخرا ليست مجرد خلافات ظرفية، بل هي بداية لمخطط أوسع يرمي إلى إعادة هندسة النفوذ في القارة العجوز، وتحجيم استقلاليتها الاستراتيجية، وصولا ربما إلى تفكيكها انطلاقا من “جبل طارق”.

جبل طارق.. رقعة الشطرنج الجديدة للطاقة والتجارة 

تتصدر إسبانيا اليوم واجهة الصراع الإمبريالي العالمي، بحسب قراءة الأستاذ العلمي الحروني، الذي يربط بين التوترات المشتعلة في الشرق الأوسط ومستقبل الممرات المائية. فمع التهديدات المستمرة بإغلاق مضيقي “هرمز” و”باب المندب”، يتحول مضيق جبل طارق تدريجيا إلى نقطة الاختناق الأكثر أهمية لحركة التجارة العالمية. 

هذا التحول ينقل الثقل الجيوسياسي مباشرة من الخليج إلى غرب البحر الأبيض المتوسط، مما يجعل مدريد في قلب معركة كسر عظم بين القوى العظمى للسيطرة على الشرايين الرابطة بين آسيا وأوروبا. 

وتستغل واشنطن هذا المعطى لإعادة ترتيب أوراق نفوذها العسكري والسياسي، لاسيما بعد الإخفاقات التي واجهتها في الساحتين الأوكرانية والإيرانية، والتمدد الاقتصادي الصيني.

عزلة مدريد.. ثمن التمرد على “الناتو” وإسرائيل 

ولم تكن الضغوط الأمريكية على إسبانيا وليدة الصدفة؛ فالدولة الأيبيرية تجد نفسها اليوم في عزلة شبه تامة داخل المعسكر الغربي. فقد تجرأت حكومتها الاشتراكية، بقيادة بيدرو سانشيز، على اتخاذ مواقف تصادمية مع الإدارة الأمريكية، أبرزها الرفض القاطع لرفع الإنفاق الدفاعي إلى عتبة 5% التي فرضها “الناتو”، فضلا عن مقاطعتها للجهد العسكري الأمريكي ضد طهران. 

إلى جانب ذلك، تبنت مدريد موقفا متقدما في دعم القضية الفلسطينية عبر الاعتراف بدولة فلسطين وفرض حظر شامل على تصدير واستيراد الأسلحة مع إسرائيل. هذه المواقف، التي يصفها الحروني بأنها حولت إسبانيا إلى “الدولة الأقل تعاونا مع التحالف الصهيو-أمريكي”، جعلت منها هدفا مباشرا للتهديدات الجمركية والتجارية التي لوح بها دونالد ترامب، بهدف جعلها “عبرة” لباقي العواصم الأوروبية.

أزمة الهجرة.. السلاح الناعم لضرب اتفاقية “شنغن” 

وقد تجلت أولى علامات الهشاشة الأوروبية في تداعيات أزمة الهجرة الأخيرة نحو مدينة سبتة المحتلة، خصوصا إبان أحداث يوليوز وغشت 2026. هذه التدفقات لم تضع التنسيق المغربي-الإسباني أمام المحك فحسب، بل أشعلت فتيل الانقسام داخل البيت الأوروبي. 

فقد سارعت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، إلى تعليق العمل باتفاقية “شنغن” مع إسبانيا وتشديد المراقبة الحدودية، وهو القرار الذي لقي صدى داعما من دول كالدنمارك وفنلندا، في مقابل تضامن أيرلندي-فرنسي-بريطاني مع مدريد. 

هذا الانقسام الحاد، وفق تحليل الأستاذ الحروني، يكشف كيف يمكن توظيف ورقة الهجرة والحدود كأداة ضغط فاعلة لضرب جوهر الاتحاد الأوروبي القائم على حرية التنقل، مما ينذر بانهيار تدريجي لتكتل بدا حتى وقت قريب عصيا على التفكك.

“إسرائيل أولا”.. عقيدة الاستهداف الأمريكي لأوروبا 

وتعزز الوثائق الاستراتيجية الأمريكية هذه الفرضيات؛ إذ يشير الحروني إلى أن وثيقة الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 تتبنى توجها معاديا للمؤسسات الأوروبية فوق-الوطنية، محملة إياها مسؤولية ما تسميه “المحو الحضاري” وتقويض السيادة بسبب سياسات الهجرة. 

وتتقاطع هذه الرؤية مع تصريحات نخب يمينية أمريكية تؤكد أن السياسة الخارجية لواشنطن أضحت محكومة بشعار “إسرائيل أولا” وليس “أمريكا أولا”، وبناء عليه، يبدو أن التحالف الأمريكي-الإسرائيلي مستعد للمضي قدما في استثمار هشاشة التوافق الأوروبي، ودعم الحركات اليمينية القومية، واستخدام أقسى أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لإسقاط الحكومات المتمردة كمدريد، في سيناريو يعيد للأذهان التكتيكات الليبرالية التي استخدمت سابقا لتفكيك المنظومة السوفياتية.