هجر إمغري
أدخل المغرب، من بوابة مدينة ابن جرير، مرحلة جديدة في مسار تطوير الطاقات المتجددة، بعد تشغيل أول منظومة لتخزين الطاقة بالبطاريات بالموقع المنجمي، في خطوة تعكس انتقال المشاريع الطاقية من مرحلة إنتاج الكهرباء النظيفة إلى مرحلة أكثر تقدما تقوم على تخزينها والاستفادة منها في الأوقات التي يرتفع فيها الطلب.
ويكتسي المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى قدرته على التعامل مع أحد أبرز التحديات المرتبطة بالطاقة الشمسية، والمتمثل في ارتباط الإنتاج بفترات سطوع الشمس، بينما يستمر الطلب على الكهرباء خلال ساعات مختلفة من اليوم. ومن شأن تخزين فائض الإنتاج خلال النهار وإعادة استخدامه خلال فترات الذروة أن يمنح المنشآت الصناعية قدرة أكبر على تدبير حاجياتها الطاقية وتقليص تأثير التذبذب الذي يميز بعض مصادر الطاقة المتجددة.
ويعتمد النظام الجديد على بطاريات من نوع ليثيوم حديد الفوسفاط، المعروفة اختصارا بتقنية LFP، بقدرة تصل إلى 25 ميغاواط وسعة تخزين تبلغ 125 ميغاواط/ساعة، وهي سعة تسمح بالاحتفاظ بالطاقة لمدة تصل إلى خمس ساعات. ويشكل هذا المعطى تحولا مهما بالنسبة إلى الموقع الصناعي، باعتبار أن الكهرباء المنتجة من المحطة الشمسية لن تبقى مرتبطة بشكل مباشر بلحظة إنتاجها، وإنما ستصبح قابلة للاحتفاظ وإعادة الضخ عندما تكون الحاجة إليها أكبر.
وفي هذا السياق، يرتبط نظام التخزين بالمحطة الكهروضوئية الموجودة في الموقع المنجمي لابن جرير، ما يسمح باستغلال الإنتاج الشمسي بطريقة أكثر مرونة. كما يتيح النظام الحد من التفاوت بين فترات وفرة الإنتاج وفترات ارتفاع الاستهلاك، الأمر الذي يعزز استقرار الإمدادات الكهربائية ويمنح المنظومة الصناعية قدرة أكبر على مواجهة تقلبات الإنتاج المتجدد.
ويأتي هذا المشروع في امتداد للاستثمارات التي جرى إطلاقها في مجال الطاقة الشمسية لتلبية حاجيات المواقع الصناعية والمنجمية، بعدما وصلت القدرة الإجمالية للمحطات الكهروضوئية المرتبطة بالمجموعة إلى 202 ميغاواط، موزعة بين محطة ابن جرير بقدرة 67 ميغاواط، ومحطة فم تيزي بقدرة 30 ميغاواط، ومحطة أولاد فارس بخريبكة بقدرة 105 ميغاواط.
وبذلك، لا يتوقف التوجه الجديد عند إنتاج الكهرباء من الشمس، بل ينتقل إلى بناء منظومة متكاملة تجمع بين التوليد والتخزين والاستهلاك الذكي للطاقة. وتسمح هذه المقاربة باستثمار الإنتاج المتجدد خلال فترات انخفاض الطلب، ثم إعادة توجيهه نحو المنشآت خلال الساعات التي تعرف ارتفاعا في الاستهلاك، وهو ما يمكن أن يرفع من فعالية الاستثمارات في الطاقة الشمسية.
ومن جهة أخرى، يرتقب أن يساهم نظام التخزين في خفض كلفة الكهرباء المستعملة بالموقع الصناعي خلال ساعات الذروة بنسبة تصل إلى 25 في المائة، من خلال تقليل الاعتماد على الكهرباء خلال الفترات التي ترتفع فيها الكلفة، والاستفادة بدلا من ذلك من الطاقة الشمسية التي جرى تخزينها في وقت سابق.
ويتميز النظام كذلك بقدرته على تقديم خدمات تقنية تتجاوز مجرد تخزين الكهرباء، إذ يمكن أن يساهم في الحد من تذبذب إنتاج الطاقة الكهروضوئية، وتحسين مرونة المنظومة الكهربائية، فضلا عن المساعدة في ضبط التردد وتعويض الطاقة التفاعلية. وتكتسب هذه الوظائف أهمية متزايدة كلما ارتفعت حصة الطاقات المتجددة داخل منظومات الكهرباء، باعتبار أن استقرار الشبكات يحتاج إلى وسائل قادرة على الاستجابة السريعة لتغيرات الإنتاج والاستهلاك.
كما يرتقب أن يعمل النظام وفق دورة يومية تقوم على الشحن والتفريغ، مع عمر افتراضي يصل إلى 25 سنة. واختيار تقنية ليثيوم حديد الفوسفاط يرتبط، في جانب منه، بخصائصها المتعلقة بالأمان والاستقرار الحراري والاستدامة، وهي عوامل أساسية عند تطوير منشآت تخزين كبيرة موجهة لخدمة مواقع صناعية ذات استهلاك مرتفع للطاقة.
وتتجاوز أهمية الاستثمار الجانب التقني والاقتصادي المباشر، إذ يمثل المشروع جزءا من توجه أوسع يرمي إلى جعل الطاقات المتجددة عنصرا أكثر اندماجا في النشاط الصناعي المغربي. فكلما توفرت القدرة على تخزين الكهرباء المنتجة من المصادر الشمسية والريحية، أصبح من الممكن تقليص الفجوة بين الطبيعة المتغيرة لهذه المصادر وبين الطلب المستمر على الطاقة داخل المصانع والمنشآت الكبرى.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية بالنسبة إلى مجموعة OCP، التي تحتاج مواقعها الصناعية والمنجمية إلى إمدادات كهربائية مستقرة ومتواصلة. ومن هنا، يوفر التخزين حلا يسمح بالاستفادة من الطاقات النظيفة دون أن يشكل تغير الإنتاج الشمسي عائقا أمام استمرارية النشاط الصناعي، بل يحول الطاقة المتجددة إلى مورد يمكن التحكم بشكل أفضل في توقيت استعماله.
وفي الإطار نفسه، بلغت قيمة الاستثمار المرتبط بالمشروع حوالي 170 مليون درهم، وشملت هذه الميزانية اقتناء المعدات والبطاريات وإنجاز مختلف أشغال إدماج نظام التخزين، بما في ذلك الأشغال المدنية والكهربائية، إلى جانب الدراسات والإشراف على التنفيذ. كما جرى إنجاز مختلف مراحل الهندسة والدراسات والإشراف بواسطة كفاءات مغربية، في مؤشر على تنامي الخبرات المحلية في مشاريع الطاقة الحديثة.
وحصل المشروع كذلك على تمويل بقيمة 20 مليون دولار من صندوق التكنولوجيا النظيفة، في خطوة تعكس الاهتمام الدولي بتطوير حلول جديدة لتخزين الطاقة المتجددة. ويشكل تمويل هذا النوع من المشاريع عاملا مهما لتسريع الانتقال من المشاريع التجريبية إلى منظومات واسعة قادرة على دعم التحول الطاقي وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.
ويفتح المشروع، في المقابل، الباب أمام مرحلة أوسع من البحث والتطوير في مجال البطاريات ومواد التخزين، خصوصا مع الجهود الرامية إلى تطوير مواد ليثيوم حديد الفوسفاط بالاعتماد على الحامض الفوسفوري وخبرة المغرب في مجال الفوسفاط. ويمكن لهذا التوجه، على المدى البعيد، أن يمنح المملكة فرصة لتطوير قيمة مضافة محلية في مجال تكنولوجيات التخزين، بدلا من الاكتفاء باستيراد المعدات الجاهزة.
وتتجه أهمية هذه الخطوة، في نهاية المطاف، إلى ما هو أبعد من موقع ابن جرير، لأن نجاح تخزين الكهرباء على نطاق صناعي يمكن أن يشكل قاعدة لتوسيع استخدام الطاقة الشمسية والريحية في قطاعات أخرى. فوجود حلول فعالة للتخزين يمنح الشبكة الكهربائية مرونة أكبر، ويساعد على استيعاب كميات متزايدة من الطاقة المتجددة دون التأثير على استقرار الإمدادات.
ويعكس تشغيل منظومة تخزين الطاقة بالبطاريات في ابن جرير، لذلك، تحولا في طريقة التعامل مع الطاقة المتجددة بالمغرب، من مجرد إنتاج الكهرباء النظيفة إلى التحكم في توقيت استخدامها وتحسين مردوديتها الاقتصادية والصناعية. ومع استمرار الاستثمارات في الشمس والرياح والتخزين، تبدو المملكة أمام مسار جديد يجعل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية عنصرين أساسيين في بناء منظومة طاقية أكثر مرونة واستقلالية وقدرة على مواكبة حاجيات الاقتصاد الوطني.







