كوثر بوجوال
التهمت حرائق غابوية اندلعت في منطقة برونسا آ نوفا، وسط البرتغال، نحو ألف هكتار من الغطاء النباتي، في وقت تواصل فيه السلطات تقييم الخسائر التي لحقت بالمناطق الزراعية والمستودعات والمعدات الفلاحية، بالتزامن مع استمرار مستويات الخطر الأقصى أو المرتفع جداً في عشرات البلديات.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن حريق ألغيتو دا بيرا أتى على نحو 900 هكتار، بينما تسبب حريق أتالايا في احتراق ما يقارب 100 هكتار، ما رفع المساحة الإجمالية المتضررة إلى حوالي ألف هكتار خلال فترة زمنية قصيرة.
وقال رئيس بلدية برونسا آ نوفا، جواو لوبو، إن الأرقام المتوفرة تظل أولية، موضحاً أن عملية حصر الخسائر لن تقتصر على المساحات الغابوية المحترقة، بل ستشمل أيضاً الأضرار التي طالت الأراضي الزراعية والمنشآت والمستودعات والآليات المستخدمة في الأنشطة الفلاحية.
وتأتي هذه الحرائق في سياق مناخي ما تزال فيه مناطق واسعة من البرتغال تواجه ظروفاً تساعد على اندلاع النيران وانتشارها، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض مستويات الرطوبة وتأثير الرياح على سرعة تحرك ألسنة اللهب.
حريقان يفصل بينهما أقل من أربع ساعات
اندلع الحريقان الاثنين الماضي بفارق زمني بلغ نحو ثلاث ساعات ونصف، ما فرض على فرق الإطفاء توزيع مواردها البشرية واللوجستية بين موقعين داخل المنطقة نفسها، في محاولة لمنع انتقال النيران إلى مساحات أوسع أو اقترابها من التجمعات السكنية.
ودخل حريق أتالايا مرحلة السيطرة يوم الثلاثاء، بعد جهود ميدانية مكثفة للحد من امتداده. أما حريق ألغيتو دا بيرا، الذي تسبب في النسبة الأكبر من المساحات المحترقة، فلم يدخل مرحلة السيطرة إلا بعيد منتصف ليل الأربعاء.
ولا تعني مرحلة السيطرة إخماد الحريق بصورة نهائية، بل تشير إلى تمكن فرق التدخل من تطويق النيران ومنعها من التقدم خارج المحيط المحدد. وتستمر بعد ذلك عمليات تبريد المناطق الساخنة ومراقبة الجذوع والتربة، تحسباً لإعادة اشتعال النيران بفعل الرياح أو استمرار الحرارة داخل المواد المحترقة.
ويعد حريق ألغيتو دا بيرا الأكثر تأثيراً من حيث المساحة، بعدما التهم قرابة 900 هكتار، أي نحو 90 في المائة من مجموع الأراضي المتضررة في الحريقين. كما يتوقع أن تكشف عمليات التقييم اللاحقة عن حجم الانعكاسات الاقتصادية التي طالت الأنشطة الفلاحية المحلية.
خسائر تتجاوز الغطاء الغابوي
تتجه السلطات المحلية إلى إجراء عملية دقيقة لحصر الخسائر، تشمل المساحات الزراعية التي تعرضت للحريق والمستودعات التي طالتها النيران والمعدات التي تضررت داخل المناطق المتأثرة.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية كبيرة بالنسبة إلى السكان الذين يعتمدون على الفلاحة والأنشطة المرتبطة بالغابات، لأن أثر الحريق لا يتوقف عند حدود المساحة المحترقة، بل يمتد إلى مصادر الدخل والإنتاج الزراعي والمعدات التي تحتاج إلى تكلفة مرتفعة لتعويضها.
كما يمكن أن تظهر بعض الخسائر البيئية على المدى المتوسط، خاصة ما يتعلق بتضرر التربة وفقدان الغطاء النباتي وزيادة قابلية المناطق المحترقة للانجراف عند تساقط الأمطار. ويؤدي تكرار الحرائق إلى إضعاف قدرة النظم الغابوية على التجدد، خصوصاً عندما تتعرض المنطقة نفسها للنيران خلال فترات متقاربة.
وتشمل عمليات ما بعد الإخماد عادة تقييم سلامة المسالك وشبكات الكهرباء والمياه والمنشآت القريبة، فضلاً عن إزالة الأشجار المتضررة التي قد تشكل خطراً على حركة السكان أو فرق الصيانة.
نحو 50 بلدية تحت الخطر الأقصى
بالتزامن مع السيطرة على حريقي برونسا آ نوفا، ظلت نحو 50 بلدية موزعة على سبع مقاطعات تحت مستوى الخطر الأقصى لاندلاع حرائق الغابات، وهو أعلى تصنيف ضمن نظام التحذير المعتمد في البرتغال.
كما وضعت أكثر من 70 بلدية أخرى في مستوى خطر مرتفع جداً، ما يعكس اتساع الرقعة الجغرافية التي تواجه ظروفاً مناخية مناسبة لاندلاع النيران وانتشارها.
ولا تقتصر التحذيرات على المنطقة التي شهدت الحريقين، بل تشمل بلديات متعددة موزعة على مقاطعات مختلفة. ويعني ذلك أن السلطات مطالبة بالحفاظ على مستوى مرتفع من الاستعداد، حتى بعد دخول حرائق برونسا آ نوفا مرحلة السيطرة.
وتوقعت مصالح الأرصاد استمرار مستويات الخطر المرتفعة جداً في بعض مناطق البلاد إلى غاية الاثنين المقبل على الأقل، ما يبقي فرق الإطفاء والحماية المدنية أمام أيام إضافية من المراقبة والتأهب.
ويفرض امتداد فترة الخطر تجنب أي سلوك يمكن أن يؤدي إلى اشتعال النار، خصوصاً في المناطق الغابوية والزراعية. فقد يكون مصدر الحريق بسيطاً في البداية، لكن اجتماع الجفاف والرياح والغطاء النباتي القابل للاشتعال قد يحوله خلال فترة قصيرة إلى جبهة يصعب التحكم فيها.
خمسة مستويات لتحديد درجة الخطر
يعتمد تصنيف خطر حرائق الغابات في البرتغال على خمسة مستويات تبدأ بالخطر المنخفض وتنتهي بالخطر الأقصى. ويستند تحديد المستوى المناسب لكل منطقة إلى مجموعة من العوامل المناخية والبيئية المتغيرة.
وتشمل هذه العوامل درجات الحرارة ونسبة الرطوبة وسرعة الرياح، إلى جانب كميات الأمطار المسجلة خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة. ويؤدي ارتفاع الحرارة وتراجع الرطوبة واشتداد الرياح وغياب التساقطات إلى رفع مستوى الإنذار.
ويساعد هذا النظام السلطات على توزيع الموارد الاستباقية وتحديد المناطق التي تحتاج إلى مراقبة أكبر، كما يسمح بتوجيه تحذيرات محلية مرتبطة بالأنشطة المسموح بها قرب الغابات والأراضي الزراعية.
ويظل عنصر الرياح من أخطر العوامل المؤثرة في مكافحة الحرائق، لأنها قد تغير اتجاه النيران بصورة مفاجئة وتنقل الشرر إلى مسافات بعيدة، ما يؤدي إلى ظهور بؤر جديدة خلف خطوط فرق الإطفاء.
كما تؤدي الحرارة المرتفعة إلى تجفيف الأعشاب والأغصان، وتحويل الغطاء النباتي إلى وقود يساعد على تسريع انتشار الحريق. وعندما تتزامن هذه العوامل مع تضاريس صعبة أو طرق محدودة، تصبح عمليات التدخل أكثر تعقيداً.
ارتفاع عدد الحرائق وتراجع المساحة المحترقة
سجلت البرتغال، خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير إلى 31 غشت 2026، ما مجموعه 6910 حرائق غابوية، أتت على مساحة بلغت 67 ألفاً و130 هكتاراً.
وتكشف مقارنة هذه الحصيلة بالفترة نفسها من سنة 2025 عن معطيين مختلفين؛ فقد ارتفع عدد الحرائق المسجلة بنسبة 6.7 في المائة، بينما تراجعت المساحة الإجمالية المحترقة بنسبة 73.5 في المائة.
ويشير انخفاض المساحة المتضررة، رغم زيادة عدد الحرائق، إلى أن عدداً كبيراً من الحوادث ظل محدوداً من حيث الانتشار، سواء بسبب سرعة التدخل أو الظروف التي لم تسمح للنيران بالتمدد على نطاق أوسع.
غير أن هذه الأرقام لا تقلل من خطورة استمرار الحرائق، لأن حادثاً واحداً يمكن أن يتسبب في خسائر كبيرة إذا تزامن مع رياح قوية وحرارة مرتفعة وصعوبة الوصول إلى موقع النيران. كما أن ارتفاع عدد الحوادث يضغط على فرق التدخل ويرفع الحاجة إلى انتشار واسع للموارد.
وتوضح حرائق برونسا آ نوفا هذا التحدي، بعدما تسبب حريقان اندلعا في اليوم نفسه في احتراق ألف هكتار تقريباً، رغم الاتجاه العام المسجل نحو تراجع المساحات المحترقة مقارنة بالسنة الماضية.
الاستجابة السريعة تحد من امتداد النيران
تظهر الحصيلة الوطنية أن نجاح مواجهة حرائق الغابات لا يقاس فقط بمنع اندلاعها، وهو أمر يصعب ضمانه بشكل كامل، بل أيضاً بسرعة اكتشافها وحشد فرق التدخل قبل أن تتحول إلى حرائق واسعة.
ويؤدي توزيع مراكز الإطفاء وتحسين المراقبة الجوية والأرضية وصيانة المسالك الغابوية إلى تقليص الفترة الفاصلة بين اكتشاف الحريق وبدء عمليات محاصرته. كما تساهم إزالة الأعشاب الجافة وتنظيف المناطق المحيطة بالتجمعات السكنية والمنشآت الفلاحية في الحد من الخسائر.
لكن استمرار الخطر الأقصى والمرتفع جداً في أكثر من 120 بلدية يضع منظومة التدخل أمام ضغط متواصل، لأن احتمال اندلاع عدة حرائق في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تشتيت الموارد بين مناطق متباعدة.
أيام حاسمة أمام فرق الإطفاء
رغم دخول الحريقين مرحلة السيطرة، لم تنته بعد مرحلة الخطر في برونسا آ نوفا وبقية المناطق المشمولة بالتحذيرات. وستظل فرق الإطفاء مطالبة بمراقبة البؤر المحاصرة ومنع إعادة اشتعالها، بالتزامن مع الاستعداد لأي حرائق جديدة قد تندلع خلال الأيام المقبلة.
كما ستتجه الأنظار إلى نتائج عمليات حصر الخسائر، التي ستحدد حجم الأضرار الزراعية والمادية، إلى جانب المساحة الغابوية المتضررة. وقد تكشف هذه العملية عن انعكاسات اقتصادية تتجاوز الأرقام الأولية، خاصة بالنسبة إلى الفلاحين وأصحاب المستودعات والمعدات المتضررة.
وتؤكد التطورات أن تراجع المساحة المحترقة على المستوى الوطني مقارنة بسنة 2025 لا يلغي استمرار التهديد. فمع بقاء عشرات البلديات في درجات الخطر القصوى، يظل أي تغير في الرياح أو الحرارة قادراً على إشعال جبهة جديدة وإعادة الضغط على فرق الحماية والإطفاء.








