إعلان
980×90
مساحة إعلانية
عالم الفكر

منحة فولبرايت تعزز الشراكة المغربية الأمريكية بفوج جديد من الباحثين والأساتذة

12:20 · 16/09/2026

كوثر بوجوال

استقبلت اللجنة المغربية الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي والسفارة الأمريكية بالرباط، يوم 2 شتنبر 2026، فوجاً جديداً يضم 24 حاصلاً على منحة «فولبرايت» قدموا إلى المملكة لتنفيذ مشاريع بحثية وتعليمية خلال السنة الدراسية 2026-2027، في خطوة تعزز التعاون الأكاديمي والثقافي بين المغرب والولايات المتحدة.

وبدأ المستفيدون برنامجاً تأهيلياً مكثفاً في العاصمة الرباط، خُصص لتعريفهم بالمغرب ومؤسساته وخصوصيات العمل الأكاديمي والثقافي داخله، بينما واصل مساعدو تدريس اللغة الإنجليزية، خلال الأسبوع التالي، تكويناً خاصاً استعداداً للالتحاق بالفصول الجامعية التي سيعملون فيها بمختلف جهات المملكة.

وشملت فعاليات استقبال الفوج تنظيم حفل بمقر السفارة الأمريكية في الرباط، جمع المستفيدين الجدد بخريجين مغاربة وأمريكيين من برنامج «فولبرايت»، إلى جانب أعضاء مجلس إدارة اللجنة المغربية الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي وعدد من دبلوماسيي البعثة الأمريكية.

ولا يقتصر البرنامج على استقبال الباحثين والأساتذة الأمريكيين في المغرب، إذ توجه في المقابل فوج يضم نحو 50 مستفيداً مغربياً إلى الولايات المتحدة، من أجل متابعة الدراسة الجامعية والبحث العلمي والتكوين المهني وتدريس اللغة العربية، ما يمنح المبادرة طابعاً متبادلاً يتجاوز مفهوم المنحة الفردية إلى بناء شبكة مستمرة من العلاقات الأكاديمية والإنسانية.

فوج جديد في عام استثنائي للعلاقات المغربية الأمريكية

يتزامن وصول الفوج الجديد مع احتفاء المغرب والولايات المتحدة خلال سنة 2026 بمرور 250 عاماً على الصداقة المغربية الأمريكية، التي تعود جذورها إلى اعتراف المملكة باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777.

كما يصادف العام نفسه الذكرى الثمانين لإحداث برنامج «فولبرايت»، الذي تأسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف تعزيز التفاهم بين الشعوب من خلال التعليم والبحث العلمي والتبادل الثقافي.

ويمنح هذا التزامن استقبال الفوج الجديد دلالة خاصة، لأن البرنامج تحول على امتداد عقود إلى واحدة من أبرز أدوات التعاون التعليمي والدبلوماسية الشعبية بين البلدين. فقد أسهم في ربط الجامعات والمؤسسات البحثية، وفتح أمام الطلبة والباحثين فرصاً للتعرف المباشر على مجتمعات مختلفة، بعيداً عن العلاقات الدبلوماسية والاتفاقيات الرسمية وحدها.

وتبرز تركيبة فوج 2026-2027 اتساع المجالات التي يشملها التعاون، بدءاً من الدراسات الثقافية والتراثية، مروراً بالذكاء الاصطناعي والتعليم، وصولاً إلى التنمية الحضرية والسياحة المستدامة وحماية الذاكرة المغربية.

ستة باحثين يدرسون قضايا مغربية متنوعة

يضم الفوج ستة باحثين طلبة سيعملون على مشاريع ترتبط بموضوعات مغربية ذات أبعاد ثقافية واجتماعية وتنموية. ويتناول أحد هذه المشاريع تمثيل الأمازيغ في السينما المغربية، من خلال بحث يُنجز في مدينة ورزازات، التي تعد إحدى أبرز الوجهات السينمائية في المملكة.

ويجمع هذا الموضوع بين دراسة الصورة السينمائية والهوية الثقافية، من خلال تحليل الطريقة التي تقدم بها الشخصيات والمجتمعات الأمازيغية داخل الإنتاجات المصورة، ومدى ارتباط هذا التمثيل بالتحولات التي عرفتها السينما المغربية.

ويتناول مشروع ثان تجارب العائلات المسلمة المولودة في فرنسا والمستقرة بالمغرب، عبر بحث ميداني في مدينة مكناس. ويسعى هذا العمل إلى فهم دوافع الاستقرار في المملكة وطبيعة الاندماج داخل المجتمع المغربي، إلى جانب التحولات الثقافية والاجتماعية التي ترافق الانتقال من فرنسا إلى المغرب.

السياحة المستدامة والتراث في قلب الأبحاث

تتضمن المشاريع أيضاً دراسة نماذج السياحة المستدامة القادرة على المساهمة في الحفاظ على القصبات والقصور بجهتي سوس ماسة ودرعة تافيلالت. ويكتسب هذا الموضوع أهمية بالنظر إلى ما تمثله هذه المباني التاريخية من قيمة معمارية وثقافية، فضلاً عن دورها في تنشيط الاقتصاد المحلي وجذب الزوار.

وسيبحث مشروع آخر في دور السلطان الخطاط في المخطوطات المغاربية خلال أواخر العصر الوسيط، بما يفتح المجال أمام دراسة العلاقة بين السلطة السياسية والإنتاج الفكري والفني، ومكانة الخط في توثيق المعرفة والهوية داخل المنطقة المغاربية.

كما سيهتم أحد الأبحاث بالمعارف التقليدية للنساء الأمازيغيات العاملات ضمن تعاونية لإنتاج الزعفران قرب تالوين، مع التركيز على الخبرات المتوارثة ودورها في الاقتصاد المحلي والمحافظة على طرق الإنتاج التقليدية.

ويخصص المشروع السادس لأدوات الذكاء الاصطناعي التشاركية وإمكان استخدامها في إعادة بناء التراث، بالتعاون مع مجتمعات الأطلس الكبير التي تواصل التعافي من آثار زلزال سنة 2023. ويجمع هذا البحث بين التكنولوجيا الحديثة والمعرفة المحلية، بهدف الوصول إلى حلول تراعي الخصوصيات الثقافية والمعمارية للمناطق المتضررة.

خمسة أساتذة أمريكيين داخل الجامعات المغربية

يشمل الفوج خمسة أساتذة جامعيين سيعملون على التدريس وإجراء أبحاث داخل مؤسسات مغربية، في تخصصات تمتد من الدراسات الدينية إلى الذكاء الاصطناعي والهندسة المعمارية والتعليم الشامل وحفظ التراث.

وسيُنجز أحد الأساتذة بحثاً حول القرآن الكريم والحواس الإنسانية في جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، بينما يشتغل أستاذ آخر على الذكاء الاصطناعي الوكيلي من أجل تعليم الجيل المقبل بجامعة عبد المالك السعدي في طنجة.

ويعكس إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن المشاريع الأكاديمية حضور هذا المجال في النقاش المتعلق بمستقبل التعليم، خصوصاً مع تطور الأدوات القادرة على تنفيذ مهام متعددة والتفاعل مع الطلبة بطريقة تتجاوز الاستخدام التقليدي للبرامج الرقمية.

وفي المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، سيجري بحث حول العمران والمشهد الطبيعي عبر الرسم على امتداد وادي أبي رقراق، في مقاربة تجمع بين الملاحظة الميدانية والتوثيق البصري ودراسة التحولات الحضرية.

الذكاء الاصطناعي لخدمة الطلبة الصم

يتناول مشروع آخر التعليم الشامل لمادة الفيزياء بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي لفائدة الطلبة الصم وضعاف السمع في جامعة محمد الخامس بالرباط.

ويكتسي هذا المشروع بعداً تربوياً واجتماعياً، لأنه يسعى إلى توظيف التكنولوجيا في تقليص الصعوبات التي تواجه فئة من الطلبة داخل التخصصات العلمية، وتطوير أدوات تساعد على تقديم المفاهيم الفيزيائية بطرق أكثر ملاءمة للاحتياجات السمعية والتواصلية المختلفة.

أما المشروع الخامس، فيركز على الحفظ الرقمي للتراث اليهودي المغربي من خلال «مشروع جنيزة الرباط»، بشراكة مع جامعة ابن زهر ومتحف اليهودية المغربية.

ويهدف المشروع إلى توظيف الأدوات الرقمية في حفظ الوثائق والمكونات المرتبطة بالذاكرة اليهودية المغربية، بما يعزز حماية هذا الرصيد وإتاحته للباحثين والأجيال المقبلة.

تدريس الإنجليزية في مدن مغربية متعددة

يضم فوج «فولبرايت» أيضاً 12 مساعداً لتدريس اللغة الإنجليزية، سيقضون السنة الدراسية داخل فصول جامعية موزعة على مدن ومناطق مختلفة من المملكة.

وسيعمل المستفيدون في سلا والدار البيضاء والمحمدية وتطوان وفاس ووجدة والجديدة وآسفي والصويرة وبرشيد وورزازات، إضافة إلى تعيين اثنين منهم في مدينة مراكش.

ويمنح هذا الانتشار البرنامج بعداً وطنياً، لأنه لا يحصر أنشطته في الرباط أو المدن الجامعية الكبرى، بل يوسع الاستفادة لتشمل مؤسسات ومجتمعات في جهات متعددة.

ولا تقتصر مهمة مساعدي التدريس على تقديم دروس اللغة، إذ يتيح وجودهم داخل الجامعات فرصاً للتفاعل الثقافي وتبادل الخبرات مع الطلبة والأساتذة، بما يساعد على بناء روابط مهنية وإنسانية يمكن أن تستمر بعد انتهاء فترة المنحة.

ويكتمل الفوج بمستفيدة من «جائزة فولبرايت المتميزة في التدريس»، وهي معلمة بالتعليم الابتدائي ستخصص فصل الخريف لدراسة دور برامج «المدارس البيئية» في تعزيز التربية على الاستدامة داخل المدارس المغربية في المجالين القروي والحضري.

مشاريع مرتبطة بأولويات المغرب المستقبلية

أكدت المديرة التنفيذية للجنة المغربية الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي، الدكتورة ريبيكا غيفنر، أن هذا الجيل من الباحثين والأساتذة ومساعدي تدريس اللغة الإنجليزية يصل إلى المغرب في مرحلة واعدة بالنسبة إلى الشراكة الثنائية.

وأوضحت أن أنشطة المستفيدين ستمتد من طنجة وتطوان شمالاً إلى مراكش والصويرة وورزازات وأكادير ومكناس ووجدة وتالوين، بما يسمح بنقل الخبرات والأفكار إلى مؤسسات ومجتمعات موزعة عبر المملكة.

وأضافت أن مجالات البحث والتدريس تعكس تنوع المعرفة الأمريكية، وتتقاطع مع قضايا تشكل جزءاً من مستقبل المغرب، من بينها الذكاء الاصطناعي والتعليم والتنمية الحضرية والتراث الثقافي وتنمية رأس المال البشري.

ويمثل هذا التقاطع إحدى نقاط قوة الفوج الجديد، لأن المشاريع لا تقدم موضوعات نظرية بعيدة عن الواقع المحلي، بل ترتبط بملفات تشهد نقاشاً متزايداً داخل المغرب، مثل إعادة إعمار المناطق المتضررة من الزلزال، ورقمنة التراث، والتعليم الدامج، والسياحة المستدامة.

نحو 50 مغربياً يتوجهون إلى الولايات المتحدة

بالتزامن مع بدء المستفيدين الأمريكيين سنتهم داخل المملكة، غادر نحو 50 مغربياً إلى الولايات المتحدة للاستفادة من برامج «فولبرايت» خلال السنة نفسها.

وتشمل المنح المخصصة للمغاربة متابعة الدراسات العليا على مستوى الماستر، وإجراء أبحاث الدكتوراه والباحثين المتقدمين، وتدريس اللغة العربية، والاستفادة من برامج التكوين المهني.

ويؤكد هذا التبادل المتوازي أن البرنامج يقوم على حركة ثنائية للمعرفة والخبرات، إذ يستقبل المغرب باحثين وأساتذة أمريكيين، بينما يحصل الطلبة والباحثون المغاربة على فرصة للدراسة والعمل داخل مؤسسات أمريكية.

وقال القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية بالرباط، بنجامين زيف، إن برنامج «فولبرايت» ظل لعقود ركيزة أساسية للتبادل التعليمي والثقافي بين المغرب والولايات المتحدة، وأسهم في بناء روابط دائمة بين الشعبين والمؤسسات الأكاديمية.

واعتبر أن الفوج الجديد يواصل مسيرة هذه الشراكة في سنة الاحتفاء بمرور 250 عاماً على الصداقة المغربية الأمريكية و80 عاماً على تأسيس «فولبرايت»، مؤكداً أن المشاريع المنجزة عبر مناطق المملكة ستعزز الروابط الأكاديمية وتشجع تبادل الأفكار.

وتتولى اللجنة المغربية الأمريكية للتبادل التربوي والثقافي الإشراف على برنامج «فولبرايت» في المملكة، بهدف تعزيز التبادل التعليمي والتفاهم المتبادل والدبلوماسية الشعبية. ويجسد فوج 2026-2027 هذا التوجه من خلال الجمع بين البحث والتدريس والعمل الميداني داخل المجتمعات، بما يجعل المعرفة وسيلة عملية لتعميق الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة.