إعلان
980×90
مساحة إعلانية
كوارث طبيعيه

المحيط الأطلسي يحطم رقماً عمره ستة عقود لأطول فترة جفاف دون إعصار

12:07 · 16/09/2026

كوثر بوجوال

سجل المحيط الأطلسي خلال سنة 2026 أطول فترة من دون تشكل أي إعصار منذ بداية العصر الحديث لرصد العواصف بالأقمار الصناعية، في ظاهرة جوية استثنائية دفعت خبراء الأرصاد إلى إعادة قراءة التوقعات التي سبقت انطلاق الموسم الحالي.

ولم يتشكل أي إعصار في حوض المحيط الأطلسي منذ بداية الموسم رسمياً في فاتح يونيو 2026، رغم مرور الموعد الذي يسجل عادة ذروة النشاط السنوي، والمحدد في حدود 10 شتنبر. وبهذا التطور، تجاوز الموسم الحالي الأرقام المسجلة منذ سنة 1966، التي تُعتمد بداية لمرحلة الرصد الحديث والدقيق للعواصف المدارية.

ولا يعني غياب الأعاصير أن الحوض ظل خالياً بصورة كاملة من الاضطرابات الجوية، إذ تشكلت خمس عواصف مدارية حملت أسماء آرثر وبيرثا وكريستوبال ودولي وإدوارد، لكنها لم تجد الظروف المناسبة للانتقال إلى مستوى الإعصار.

ويُصنف الاضطراب الجوي عاصفة مدارية عندما تبلغ سرعة رياحه 39 ميلاً في الساعة، بينما يتحول إلى إعصار عندما تصل السرعة إلى 74 ميلاً في الساعة على الأقل. وخلال الموسم الحالي، لم تتمكن أي من الأنظمة المسجلة من بلوغ هذه العتبة، ما جعل سنة 2026 تدخل سجلات الأرصاد قبل أكثر من شهرين على النهاية الرسمية للموسم.

موسم 2026 يتجاوز الرقم المسجل في عصر الأقمار الصناعية

أصبح موسم 2026 الأكثر تأخراً في تسجيل أول إعصار منذ بداية عصر المراقبة الحديثة سنة 1966. وكان الرقم السابق يعود إلى موسمي 2002 و2013، حين ظهر أول إعصار في 11 شتنبر، قبل أن يتجاوز الموسم الحالي ذلك التاريخ من دون تسجيل أي حالة مماثلة.

وعادة ما تتشكل أول عاصفة تحمل اسماً قرب بداية الموسم في يونيو، بينما يظهر أول إعصار خلال بداية أو منتصف غشت، وفق متوسطات الرصد الممتدة بين عامي 1991 و2020. ولذلك، فإن وصول الموسم إلى منتصف شتنبر من دون أي إعصار يمثل انحرافاً واضحاً عن النمط المناخي المعتاد.

وإذا استمر الهدوء إلى ما بعد 21 شتنبر، فإن سنة 2026 ستتجاوز أيضاً رقماً تاريخياً يعود إلى موسم 1941، حين لم تبلغ أول عاصفة قوة الإعصار إلا يوم 21 شتنبر، وفق المراجعات اللاحقة لبيانات ذلك الموسم. وبذلك سيصبح الموسم الحالي الأطول على الإطلاق من دون إعصار ضمن السجلات المتاحة، وليس فقط خلال عصر الأقمار الصناعية.

أما إذا انتهى الموسم رسمياً يوم 30 نونبر من دون ظهور أي إعصار، فستصبح سنة 2026 ثالث موسم فقط في السجلات التاريخية يمر بهذه الصورة، بعد عامي 1907 و1914.

السجلات القديمة لا تقدم صورة مكتملة

يتعامل الخبراء بحذر مع المقارنات التي تعود إلى ما قبل ستينيات القرن الماضي، لأن قدرات الرصد في تلك الفترة لم تكن تسمح بتتبع جميع العواصف المتشكلة بعيداً عن اليابسة أو مسارات السفن.

وقبل ظهور الأقمار الصناعية، كان اكتشاف الأنظمة المدارية يعتمد بدرجة كبيرة على التقارير القادمة من السفن والمحطات الساحلية والطائرات. ولذلك، يُحتمل أن بعض العواصف أو الأعاصير القصيرة التي تشكلت وسط المحيط ثم تلاشت قبل الاقتراب من اليابسة لم تُرصد أو تُسجل.

أما اليوم، فتتيح الأقمار الصناعية مراقبة السحب والرياح والضغط الجوي ودرجات حرارة سطح البحر بصورة متواصلة، ما يجعل البيانات الحديثة أكثر دقة وقدرة على اكتشاف الاضطرابات منذ مراحلها الأولى.

ولهذا السبب، يحمل الرقم الذي سجلته سنة 2026 أهمية خاصة، لأنه تحقق في فترة يصعب خلالها مرور إعصار من دون اكتشافه، حتى لو تشكل في منطقة نائية من الحوض الأطلسي.

النينو تعرقل تشكل الأعاصير في الأطلسي

يرجح خبراء الأرصاد أن تكون ظاهرة «النينو» القوية وراء التراجع الحاد في نشاط الأعاصير داخل المحيط الأطلسي. وترتبط هذه الظاهرة بارتفاع غير معتاد في حرارة سطح المياه ضمن أجزاء من المحيط الهادئ الاستوائي، لكنها تؤثر أيضاً في حركة الرياح والظروف الجوية بمناطق بعيدة.

وتؤدي «النينو» في المحيط الأطلسي إلى زيادة ما يعرف بقص الرياح العمودي، أي تغير سرعة الرياح أو اتجاهها كلما ارتفعنا في طبقات الغلاف الجوي. ويشكل هذا العامل عائقاً أمام تطور العواصف، لأنه يفصل قمم السحب عن مركز الدوران ويمنع النظام المداري من بناء هيكل متماسك.

كما ساهم الهواء الجاف وحركة الهواء الهابطة في الحد من قدرة الاضطرابات على النمو، خاصة داخل المنطقة الرئيسية لتشكل الأعاصير الممتدة بين الساحل الإفريقي ومنطقة البحر الكاريبي.

وتحتاج الأعاصير إلى مجموعة من الظروف المتزامنة حتى تتشكل، من بينها مياه دافئة ورطوبة مرتفعة ورياح مستقرة نسبياً. وإذا اختل أحد هذه العناصر، قد يبقى الاضطراب في مستوى منخفض أو يتحول إلى عاصفة مدارية ضعيفة قبل أن يتلاشى.

وفي الوقت الذي حدت فيه «النينو» من النشاط داخل الأطلسي، ساهمت في توفير ظروف أكثر ملاءمة لتشكل الأعاصير داخل شرق ووسط المحيط الهادئ. ويقدم هذا التباين مثالاً واضحاً على قدرة الظواهر المناخية الكبرى على إعادة توزيع نشاط العواصف بين الأحواض البحرية.

هدوء الأطلسي لا يعني انتهاء الخطر

رغم الرقم القياسي المسجل، يحذر خبراء الأرصاد من اعتبار الموسم منتهياً أو الاعتقاد بأن المناطق الساحلية تجاوزت جميع الأخطار. فموسم الأعاصير في الأطلسي يستمر رسمياً إلى غاية 30 نونبر، وقد تتشكل عواصف قوية بعد مرور الذروة المناخية المعتادة.

كما يمكن أن تظهر فترات قصيرة تتراجع خلالها شدة قص الرياح، فتسمح للاضطرابات بالتطور بسرعة، خصوصاً قرب خليج المكسيك أو السواحل الشرقية للولايات المتحدة. وفي مثل هذه الحالات، قد تتشكل الأعاصير بالقرب من اليابسة، ما يقلص المدة المتاحة للاستعداد مقارنة بالعواصف التي تبدأ رحلتها من شرق الأطلسي.

وتزيد حرارة مياه المحيط من أهمية الإبقاء على الاستعداد، لأن الفترات الطويلة من انخفاض الغطاء السحابي تسمح لسطح البحر باكتساب مزيد من الطاقة. وإذا تزامنت هذه الحرارة مع تراجع مؤقت في تأثير الرياح المعطلة، فقد تنمو عاصفة قوية خلال مدة قصيرة.

وقد أظهرت تجارب مواسم سابقة أن البداية الهادئة لا تضمن نهاية خالية من الأعاصير. ويظل إعصار أندرو سنة 1992 أحد أبرز الأمثلة، إذ تشكل خلال موسم كان نشاطه العام محدوداً، لكنه تحول إلى واحد من أكثر الأعاصير تدميراً في تاريخ الولايات المتحدة.

وتوقع خبراء الأرصاد قبل بداية موسم 2026 نشاطاً أقل من المعدل، يتراوح بين سبع و13 عاصفة تحمل أسماء، وبين إعصارين وستة أعاصير، مع احتمال تسجيل ما يصل إلى إعصارين كبيرين من الفئة الثالثة أو أعلى. غير أن عدم ظهور أي إعصار حتى منتصف شتنبر جاء أكثر هدوءاً من أغلب التوقعات.

ميليسا آخر إعصار كبير يضرب اليابسة

يعود آخر إعصار كبير تشكل في المحيط الأطلسي وضرب اليابسة إلى «ميليسا»، الذي بلغ الفئة الخامسة واجتاح جامايكا يوم 28 أكتوبر 2025، مخلفاً آثاراً كارثية.

وتبرز المقارنة بين «ميليسا» وموسم 2026 سرعة التحول التي يمكن أن يعرفها الحوض الأطلسي من سنة إلى أخرى. ففي الوقت الذي شهد فيه الموسم السابق إعصاراً شديد القوة، لم ينتج الموسم الحالي حتى منتصف شتنبر أي نظام يبلغ مستوى الإعصار.

وكان عاما 2024 و2025 قد مرا أيضاً بيوم 10 شتنبر، الذي يمثل الذروة الإحصائية للموسم، من دون وجود إعصار نشط في الحوض. غير أن تلك المواسم كانت قد شهدت تشكل أعاصير قبل هذا التاريخ أو بعده، بخلاف سنة 2026 التي لم تسجل حتى الآن أي إعصار منذ بداية الموسم.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن الأطلسي يعيش واحداً من أهدأ مواسمه، بعدما سجل خمس عواصف مدارية ضعيفة نسبياً من دون أن تتحول أي منها إلى إعصار. ومع ذلك، يبقى الحذر قائماً، لأن الهدوء التاريخي المسجل حتى منتصف شتنبر لا يلغي احتمال تغير الظروف خلال الأسابيع المتبقية.

رقم تاريخي قد يصمد أو يسقط قبل نهاية الموسم

تتجه الأنظار حالياً إلى تاريخ 22 شتنبر، لأن مرور هذا الموعد من دون إعصار سيجعل موسم 2026 يتجاوز الرقم المرتبط بسنة 1941. أما الاختبار الأكبر فسيظل مرتبطاً بنهاية الموسم في 30 نونبر، حين سيتضح ما إذا كان الأطلسي سيضيف سنة ثالثة إلى قائمة المواسم الخالية من الأعاصير.

ويقدم الموسم الحالي مثالاً على صعوبة التنبؤ الدقيق بالنشاط المداري، حتى مع تطور الأقمار الصناعية والنماذج الحاسوبية. فالتوقعات الموسمية تستطيع تحديد الاتجاه العام واحتمالات النشاط، لكنها لا تضمن معرفة العدد النهائي للعواصف أو توقيت تشكلها ومواقعها.

وبين الرقم القياسي المسجل والتحذيرات من تغير مفاجئ في الظروف، يبقى موسم 2026 تحت المراقبة. فقد دخل بالفعل تاريخ الأرصاد باعتباره الأطول من دون إعصار خلال العصر الحديث، لكنه لم يغلق صفحته الأخيرة بعد.