تتابع كل من بكين وموسكو باهتمام بالغ النقاشات الدائرة داخل الأروقة الأمريكية بشأن حجم الاستنزاف الذي طال مخزونات الأسلحة والذخائر في أعقاب المواجهة العسكرية مع إيران. وقد اضطرت واشنطن، نتيجة لهذه التوترات، إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية وسحب منظومات دفاعية وذخائر من مناطق حيوية أخرى لتعزيز وجودها في الشرق الأوسط، مما أثار تساؤلات جوهرية حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة أزمات متعددة في آن واحد.
لم يعد الجدل مقتصرًا على التكاليف المادية أو عدد الصواريخ المستخدمة، بل تجاوز ذلك ليطرح إشكالية استراتيجية تتعلق بمدى جاهزية القوة العسكرية الأمريكية لخوض مواجهات متزامنة، لا سيما في ظل استمرار الصراع الروسي الأوكراني والتنافس المحتدم مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتشير تقارير أمريكية إلى أن العمليات ضد إيران استنزفت كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية والهجومية عالية التكلفة، والتي تتطلب فترات تصنيع طويلة وسلاسل توريد بالغة التعقيد.
استجابة لهذه الضغوط، أعلنت الولايات المتحدة في الثالث من غشت الجاري عن صفقات بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار مع شركتي “لوكهيد مارتن” و”نورثروب غرومان”، تهدف إلى مضاعفة إنتاج أجزاء صواريخ “باتريوت” و”ثاد”. وتأتي هذه الخطوة في وقت كشفت فيه صحيفة “نيويورك تايمز” أن التركيز العسكري على الشرق الأوسط دفع واشنطن إلى نقل سفن وطائرات ووحدات دفاع جوي من أوروبا وآسيا، وهي مناطق تعد ركيزة أساسية في استراتيجية الردع الأمريكية.
تدرك واشنطن أن السلاح في المستودعات يمثل جوهر معادلة الردع، وأي تراجع في هذه المخزونات أو نقل للمنظومات قد يغير حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء. فبينما تراقب روسيا قدرة واشنطن على مواصلة تسليح أوكرانيا، تترقب الصين ما إذا كان انشغال الإدارة الأمريكية بالشرق الأوسط سيؤثر على جاهزيتها العسكرية في آسيا، خاصة في أي سيناريو محتمل يخص تايوان.
على الصعيد الرسمي، نفت إدارة الرئيس دونالد ترامب وجود أزمة في الذخائر، مؤكدة أن القوات الأمريكية تمتلك ما يكفي من السلاح لتنفيذ مهامها، وأن المصانع تعمل على رفع طاقتها الإنتاجية. ومع ذلك، يرى خبراء ومسؤولون سابقون أن التحدي يكمن في الفجوة بين وتيرة الاستهلاك السريع للذخائر المتطورة وبين الوقت الطويل الذي تستغرقه عمليات التصنيع، مما يضع الولايات المتحدة في سباق مع الزمن لإغلاق ثغرات قد يراها الخصوم فرصة لإعادة اختبار التوازنات العسكرية الدولية.








التعليقات
0 تعليق