لم تكن مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي مجرد طقوس وداع تقليدية، بل تحولت إلى منصة سياسية وعقائدية مشحونة بالدلالات، حيث طغت رايات الثأر الحمراء وشعارات المقاومة المستمدة من أدبيات كربلاء وعاشوراء على المشهد، في محاولة من طهران لتأكيد أن اغتيال خامنئي في ضربات أميركية وإسرائيلية يوم 28 فبراير 2026، لا يمثل نهاية لمسار بل بداية لفصل جديد من المواجهة.
عقب اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للجمهورية الإسلامية في مارس 2026، وجد النظام نفسه أمام تحديات وجودية تتجاوز ملفات الانتقام التقليدية، إذ يتعين على القيادة الجديدة الموازنة بين موروثها العقائدي الذي يمنح المرشد سلطة مطلقة، وبين ضرورات إدارة أزمة مركبة تفرضها الحرب المفتوحة والضغوط الاقتصادية الخانقة، مما يضع طهران في مأزق كيفية توظيف الذاكرة التاريخية لإدارة واقع سياسي وعسكري دقيق.
اعتاد النظام الإيراني منذ عام 1979 على دمج الرموز الدينية في قاموسه السياسي، فاستحضر واقعة كربلاء لتعبئة المقاتلين خلال الحرب مع العراق، واستخدم مفاهيم الشهادة لتأطير الصراع، لكنه أثبت في محطات مفصلية قدرته على الانتقال إلى منطق التسويات، كما حدث عندما وصف الخميني قرار وقف إطلاق النار عام 1988 بـ”تجرع كأس السم”، أو حين تبنت القيادة مفهوم “المرونة البطولية” لتبرير الاتفاق النووي عام 2015 عبر استدعاء نموذج صلح الإمام الحسن.
اليوم، تجد إيران نفسها في مفترق طرق بين نماذج تاريخية متباينة؛ فبينما يمثل الحسين رمزية الرفض والمواجهة، يمثل الحسن خيار التهدئة التكتيكية، في حين تبرز نماذج أخرى كـ”التوابين” أو “المختار الثقفي” كاستعارات محتملة لمسارات الثأر المحفوفة بالمخاطر. ويشكل هذا التباين معضلة للقيادة الجديدة التي تسعى لتثبيت شرعيتها بعد رحيل خامنئي، مع الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في ظل الحرب.
تدرك السلطة في طهران أن خطاب التعبئة والرايات الحمراء قد ينجح في حشد الشارع، لكنه لا يقدم حلولاً للأزمات الهيكلية التي تعاني منها الدولة، من انهيار اقتصادي وعزلة دولية وضغوط أمنية. لذا، يظل الاختبار الحقيقي لمجتبى خامنئي هو القدرة على الفصل بين الرمز العقائدي والقرار السياسي البراغماتي، فالدولة التي تدار اليوم في ظل ظروف الحرب لا يمكنها الاعتماد على الذاكرة وحدها، بل تحتاج إلى حسابات دقيقة توازن بين ثمن الاستمرار في المواجهة وبين كلفة التسوية.








التعليقات
0 تعليق