شكلت زيارة الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي إلى العاصمة الصربية بلغراد اختباراً دبلوماسياً دقيقاً للرئيس ألكسندر فوتشيتش، الذي يسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة. فقد وضع هذا اللقاء بلغراد في موقف يتطلب الموازنة بين التقارب مع أوكرانيا والمسار الأوروبي من جهة، والتمسك بالروابط التاريخية والاستراتيجية مع روسيا من جهة أخرى، دون إثارة غضب الناخبين الصرب الموالين لموسكو.
تعتمد السياسة الخارجية الصربية منذ سنوات على منطق المسافات المحسوبة، حيث تظل روسيا حليفاً استراتيجياً في ملفات الطاقة وقضية كوسوفو، بينما يظل الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي والسياسي الأكبر. وفي هذا السياق، جاءت زيارة زيلينسكي لتسلط الضوء على قدرة فوتشيتش على المناورة، خاصة وأن صربيا لم تنضم للعقوبات الغربية ضد روسيا، كما لم يوقع فوتشيتش سابقاً على بيانات قمة جنوب شرق أوروبا الداعمة عسكرياً لكييف.
حرص الرئيس الصربي فور انتهاء الزيارة على التأكيد بأن بلاده لم تغير مواقفها تجاه العقوبات المفروضة على روسيا، مشدداً على أن المباحثات ركزت على التعاون في مجالات الزراعة، والطاقة، والبنية التحتية، وإعادة الإعمار، مع استبعاد أي تعاون عسكري. ورغم هذا النفي، يرى مراقبون أن مجرد استقبال زيلينسكي في معقل نفوذ روسي بالبلقان يحمل دلالات سياسية تتجاوز الأطر الاقتصادية المعلنة.
من جانبها، سعت كييف عبر هذه الزيارة إلى تحقيق مكاسب رمزية تتجاوز المساعدات المباشرة، محاولة إثبات أن عزلتها الدبلوماسية ليست مطلقة وأنها قادرة على الانفتاح على دول تربطها علاقات وثيقة بموسكو. ومع ذلك، اصطدم هذا التوجه برفض شعبي داخلي في صربيا، حيث خرج متظاهرون يرفعون صور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تعبيراً عن امتعاضهم من الزيارة واستحضاراً لذكرى ضربات الناتو عام 1999.
على الصعيد الدولي، التزمت موسكو بالصمت الرسمي رغم ما قد يثيره هذا التقارب من قلق، مدركةً أن فوتشيتش يمارس لعبة توازن دقيقة لخدمة مصالح بلاده الوطنية. فصربيا لا تزال بحاجة للدعم الروسي في ملف كوسوفو، كما لا يمكنها التخلي عن طموحها في الانضمام للاتحاد الأوروبي.
يتوقع محللون أن تزداد هذه المعادلة تعقيداً مع مرور الوقت، إذ إن هامش المناورة الصربي يضيق كلما اتخذت الحرب في أوكرانيا أبعاداً أكثر حساسية. فبينما ينجح فوتشيتش حالياً في تأجيل اتخاذ مواقف حاسمة، قد تفرض التطورات المستقبلية خيارات أكثر صرامة، مما يجعل من الصعب الاستمرار في إقناع جميع الأطراف بأن صربيا قادرة على مسايرتهم جميعاً دون التضحية بأي من تحالفاتها.








التعليقات
0 تعليق