تواجه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة تحديات هيكلية غير مسبوقة، تتجاوز في جوهرها القدرة التقليدية على التمويل أو الوصول إلى صناع القرار في الكونغرس، لتصطدم بمتغيرات عميقة في المزاج الشعبي الأمريكي الذي بات أكثر انتقاداً لسياسات تل أبيب، لا سيما في صفوف الأجيال الشابة.
وتشير معطيات حديثة صادرة عن مركز بيو للأبحاث إلى تحول لافت في الرأي العام، حيث ارتفعت نسبة الأمريكيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل إلى 60 في المئة خلال ربيع 2026، مقارنة بـ37 في المئة فقط ينظرون إليها بإيجابية، وهي أرقام تعكس انقلاباً في المشهد مقارنة بعام 2022. كما أظهر الاستطلاع ذاته انخفاضاً في منسوب الثقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث أعرب 59 في المئة من المستطلعة آراؤهم عن ضعف أو انعدام ثقتهم في إدارته للشؤون الدولية.
ولا يقتصر هذا التحول على القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي، بل بدأ يتسرب إلى صفوف الجمهوريين، إذ تظهر البيانات أن 57 في المئة من الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عاماً باتوا يتبنون نظرة سلبية تجاه إسرائيل. ويبرز الفارق الجيلي بشكل أكثر حدة، حيث تصل النظرة السلبية إلى 74 في المئة بين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، مقابل 49 في المئة فقط لدى من تجاوزوا الخمسين.
وفي مؤشر على ارتباك الحسابات الانتخابية، كشفت تقارير إعلامية عن طلب حلفاء المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ، مايك روجرز، في ولاية ميشيغان من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية “أيباك” تجنب الإعلان عن دعمها لحملته. ويأتي هذا الحذر خشية انعكاس الارتباط العلني بالمنظمة سلباً على حظوظ المرشح في ظل الغضب الشعبي المرتبط بالحرب في غزة، رغم أن “أيباك” كانت قد استثمرت مبالغ طائلة في الانتخابات التمهيدية بالولاية.
وتعكس هذه الواقعة تحولاً في كيفية إدارة المرشحين لعلاقاتهم مع جماعات الضغط، حيث أصبح الدعم المالي الذي كان يُعد مكسباً انتخابياً في الماضي، يشكل أحياناً عبئاً يستدعي التعامل معه بحذر شديد. ورغم أن هذه المنظمات لا تزال تمتلك موارد مالية ضخمة، إلا أن الفجوة بين نفوذها المالي وتوجهات الناخبين بدأت تفرض واقعاً سياسياً أكثر تعقيداً.
وفي سياق متصل، سلط كتاب “Israel’s Lobby: America in the Grip of a Foreign Power”، للصحفي إيلي كليفتون والباحث إيان لوستيك، الصادر في 11 غشت 2026، الضوء على آليات عمل هذه الشبكات ومدى قدرتها على الحفاظ على تأثيرها في ظل تراجع شعبية السياسات التي تدافع عنها. ويطرح الكتاب تساؤلات جوهرية حول مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، ومدى قدرة اللوبي على الصمود أمام مجتمع أمريكي يتبنى رؤى مغايرة بشكل متزايد.
ويشير مراقبون إلى أن استمرار الفجوة بين المؤسسة السياسية والمزاج الشعبي يرفع كلفة تجاهل اتجاهات الناخبين، مما قد يجعل من العلاقة مع إسرائيل قضية انتخابية قابلة للأخذ والرد، بدلاً من كونها ملفاً محكوماً بخطوط حمراء ثابتة، وهو ما يضع النفوذ التقليدي للوبي أمام اختبار حقيقي في السنوات المقبلة.








التعليقات
0 تعليق