إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

ديون الجماعات الترابية.. قرار جديد لتحريك عجلة التحصيل

16:00 · 10/10/2026

منال الهداوي

يفتح القرار رقم 1810.26، الصادر عن وزير الداخلية، مرحلة جديدة في التعامل مع ملف ديون الجماعات الترابية، من خلال إتاحة المجال أمام تعزيز تدخل الولاة والعمال في معالجة المستحقات المالية المتراكمة، والعمل على تفعيل آليات التحصيل الجبري وفق الضوابط القانونية المعمول بها. ويأتي هذا التوجه في سياق البحث عن حلول عملية للصعوبات التي تواجه عددا من الجماعات في استخلاص الأموال المستحقة لها، بما يتيح تحسين وضعيتها المالية وتوفير موارد إضافية تساعدها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

ويعيد هذا القرار إلى الواجهة إشكالية الموارد المالية المحلية، باعتبارها أحد العناصر الأساسية التي يتوقف عليها تنفيذ البرامج التنموية وتحسين أداء المرافق العمومية. فالجماعات الترابية تتحمل مسؤوليات متعددة تتعلق بتدبير الخدمات اليومية، وصيانة البنيات التحتية، والمساهمة في تأهيل الأحياء والمناطق، فضلا عن تمويل مشاريع تستجيب للحاجيات المتزايدة للسكان. غير أن تراكم الديون وتعثر استخلاص المستحقات قد يحدان من قدرتها على تنفيذ هذه المهام بالسرعة والفعالية المطلوبتين.

وفي هذا الإطار، يبرز التحصيل الجبري باعتباره إحدى الآليات القانونية التي يمكن اللجوء إليها لاسترداد الأموال المستحقة عند تعذر استخلاصها بالطرق المعتادة، مع ضرورة احترام المساطر والضمانات التي ينص عليها القانون. ويعكس تعزيز دور السلطات الترابية في هذا المجال توجها نحو تجاوز حالة الجمود التي قد تعرفها بعض الملفات، والانتقال إلى معالجة أكثر انتظاما للديون المتراكمة، بما يساعد على حماية الموارد المالية العمومية وتفادي استمرار تأخر استخلاصها.

ومن جهة أخرى، لا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الجانب الإداري المرتبط بتسريع الإجراءات، بل تمتد إلى انعكاساتها المحتملة على التوازنات المالية للجماعات الترابية. فكلما تمكنت الجماعات من استرجاع جزء من مستحقاتها، ازدادت قدرتها على توفير السيولة اللازمة لتغطية النفقات المبرمجة، والوفاء بالتزاماتها، وتقليص الضغوط التي قد تواجه ميزانياتها. كما يمكن أن تساهم الموارد المستخلصة في دعم تنفيذ مشاريع محلية ظلت بحاجة إلى تمويل إضافي، شريطة توجيهها وفق الأولويات والحاجيات الفعلية لكل منطقة.

إقرأ أيضا : الجماعات-الترابية-تحافظ-على-فائض-

وبالموازاة مع ذلك، يظل نجاح هذا التوجه مرتبطا بمدى القدرة على تحديد الديون المستحقة بدقة، وترتيب الملفات بحسب طبيعتها ووضعيتها القانونية، وتسريع معالجة الحالات التي طال أمدها. فوجود إطار يسمح بتفعيل إجراءات التحصيل لا يعني بالضرورة أن جميع المستحقات ستسترجع في وقت وجيز، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تتطلب التحقق من الوثائق أو استكمال الإجراءات القانونية اللازمة. لذلك، تبرز أهمية التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتوفير المعطيات الضرورية، واعتماد مقاربة عملية تراعي خصوصية كل ملف.

وفي المقابل، تطرح عملية تحصيل الديون تحديا آخر يتعلق بضرورة تحقيق التوازن بين حماية المال العام واحترام حقوق الملزمين. فنجاعة الإجراءات لا تقاس فقط بحجم الأموال المسترجعة، بل أيضا بمدى احترام القواعد القانونية، وضمان وضوح المساطر، وتفادي أي اختلالات قد تؤثر على ثقة المواطنين والفاعلين الاقتصاديين في تدبير الشأن المحلي. ومن شأن اعتماد إجراءات واضحة ومنظمة أن يساعد على تقوية مصداقية التدبير المالي، ويعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في مجال استخلاص الموارد العمومية.

كما يفتح هذا المستجد النقاش حول أهمية تحسين تدبير الديون داخل الجماعات الترابية، وعدم الاقتصار على التدخل بعد تراكم المستحقات لفترات طويلة. إذ إن اعتماد آليات منتظمة لتتبع الديون، وتحسين طرق تدبير الملفات المالية، والتنسيق المستمر بين المصالح المعنية، كلها خطوات يمكن أن تساعد على الحد من تكرار حالات التعثر. ويظل تطوير أساليب التتبع والتدبير عاملا مكملا للإجراءات القانونية، لأنه يساهم في الكشف المبكر عن الصعوبات وتفادي تحولها إلى أعباء مالية يصعب تجاوزها.

وعلى المستوى التنموي، تكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط الموارد المالية بقدرة الجماعات على الاستجابة لانتظارات السكان. فتمويل مشاريع القرب، وتحسين جودة الخدمات، والعناية بالفضاءات العمومية، وصيانة التجهيزات المحلية، كلها مجالات تحتاج إلى موارد مالية متاحة وتدبير فعال. ومن ثم، فإن استرجاع المستحقات المتأخرة يمكن أن يشكل فرصة لتعزيز الإمكانات المالية المتوفرة، لكنه يظل خطوة ضمن منظومة أوسع تتطلب ترشيد النفقات، وترتيب الأولويات، وضمان توجيه الاعتمادات نحو المشاريع الأكثر ارتباطا بالحاجيات المحلية.

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي سيجري بها تنزيل القرار رقم 1810.26، ومدى انعكاسه على الملفات العالقة وحجم الديون التي تعذر استخلاصها. فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه الخطوة لن يكون في صدور القرار وحده، وإنما في النتائج التي يمكن تحقيقها على أرض الواقع، وفي قدرة الجماعات الترابية على تحويل الموارد المسترجعة إلى مشاريع وخدمات يستفيد منها المواطنون بشكل مباشر.

وبين الرهان على تعزيز التحصيل والحاجة إلى تحسين التدبير المالي، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من معالجة الديون المتراكمة إلى بناء ممارسة إدارية أكثر استباقية وفعالية. فكلما اقترنت الإجراءات القانونية بالتتبع المستمر والشفافية وحسن توجيه الموارد، ازدادت فرص دعم التوازنات المالية المحلية وتعزيز قدرة الجماعات الترابية على أداء أدوارها التنموية. أما الأثر الفعلي للقرار الجديد، فسيظل مرتبطا بمدى سرعة التنفيذ واحترام المساطر وتحقيق نتائج ملموسة في استخلاص المستحقات وتدبيرها.