منال الهداوي
كشف المغرب، تزامنا مع الاحتفال باليوم العالمي للصحة النفسية، عن مبادرة جديدة تجمع بين البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة، من خلال تقديم مشروع «ORY+»، وهو نظام للذكاء الاصطناعي السريري جرى تطويره داخل المملكة بهدف دعم مهنيي الصحة النفسية ومساعدتهم على مواكبة التحولات التي يشهدها هذا المجال. ويعكس هذا المشروع توجها متزايدا نحو البحث عن حلول مبتكرة تستجيب للحاجيات المتجددة للقطاع الصحي، مع التركيز على توظيف التقنيات الرقمية لخدمة الممارسة المهنية وتعزيز جودة الرعاية المقدمة للأفراد.
واحتضنت مدينة تامسنا، يوم السبت 10 أكتوبر 2026، لقاء خصص للتعريف بهذا الابتكار المغربي، حيث جرى تقديم مراحل تطويره والخلفيات العلمية التي يقوم عليها، إلى جانب استعراض أهدافه والإمكانات التي يسعى إلى توفيرها لفائدة المختصين في الصحة النفسية. وشهدت هذه المناسبة مشاركة أعضاء الفريق العلمي وعدد من الأطباء النفسيين والأخصائيين النفسيين ومهنيين في القطاع الصحي، في خطوة تروم تقريب المشروع من الفئات المهنية المعنية وتوضيح طبيعة الاستخدامات التي يمكن أن يقدمها في الممارسة اليومية.
ويأتي إطلاق هذا المشروع في مرحلة يتزايد فيها الاهتمام بتطوير أدوات رقمية قادرة على مواكبة التحديات التي يواجهها قطاع الصحة النفسية، الذي يتطلب مقاربات علمية دقيقة ومراعاة كبيرة للخصوصية الفردية. وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد المجالات التي يمكن أن تساهم في تطوير وسائل العمل السريري، شريطة أن يتم توظيفه وفق ضوابط واضحة تضمن سلامة الاستخدام وتحافظ على الدور الأساسي للخبرة البشرية في التشخيص والتقييم والمتابعة.
ويستند مشروع «ORY+» إلى سنوات من البحث والتطوير داخل المغرب، في مسار يعكس أهمية الاستثمار في الكفاءات العلمية والتكنولوجية المحلية، والعمل على تحويل المعرفة البحثية إلى حلول قابلة للاستخدام في القطاعات الحيوية. ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على الجانب التقني، بل تمتد إلى إمكانية تعزيز التعاون بين الباحثين والأطباء والأخصائيين النفسيين ومطوري الأنظمة الرقمية، بما يساعد على بناء أدوات تستجيب بصورة أفضل لاحتياجات الممارسة المهنية.
إقرأ أيضا : غوغل-الذكاء-الاصطناعي-الفضاء
ومن جهة أخرى، يطرح توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية أسئلة مهمة تتعلق بمدى قدرة الأنظمة الرقمية على التعامل مع تعقيد التجارب الإنسانية وتنوع الحالات النفسية. فالرعاية النفسية لا تعتمد على المعلومات وحدها، بل ترتبط كذلك بفهم السياق الاجتماعي والشخصي للمريض، والإنصات إلى تجربته، وتقدير العوامل التي قد تؤثر في حالته. ولذلك، فإن أي نظام موجه لدعم المختصين ينبغي أن يظل أداة مساعدة لا تعوض التقييم السريري ولا تحل محل القرار المهني المستند إلى الخبرة والمعرفة العلمية.
وتبرز حماية المعطيات الشخصية ضمن أبرز التحديات المرتبطة بهذا النوع من الابتكار، بالنظر إلى الطبيعة الحساسة للمعلومات التي يجري تداولها خلال عمليات التقييم والمتابعة النفسية. فالثقة عنصر أساسي في العلاقة بين المريض والمختص، وأي استخدام للتكنولوجيا في هذا المجال يحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن سرية البيانات، وكيفية معالجتها، والجهات المخولة بالوصول إليها. كما تظل الشفافية بشأن قدرات النظام وحدوده ضرورية حتى يتمكن المهنيون من استخدامه بطريقة واعية ومسؤولة.
وبالتوازي مع هذه الاعتبارات، يفتح المشروع المجال أمام نقاش أوسع حول موقع الابتكار الرقمي في تطوير منظومة الرعاية الصحية بالمغرب. فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي لتحسين الخدمات، ما لم تواكبها برامج للتكوين والتأطير، وتعاون مستمر بين مختلف المتدخلين، وتقييم علمي لمدى فعالية الحلول المطروحة. ومن شأن إشراك الأطباء والأخصائيين النفسيين في مراحل تطوير هذه الأنظمة وتقييمها أن يساعد على تحديد الاستخدامات الأكثر فائدة، وتفادي الاعتماد على أدوات لا تستجيب بصورة دقيقة لاحتياجات الميدان.
ويحمل تطوير حل مغربي في مجال الذكاء الاصطناعي السريري أهمية إضافية مرتبطة بإمكانية بناء خبرة وطنية في التكنولوجيا الصحية، وتعزيز حضور البحث العلمي المحلي في المجالات التي تعرف تطورا متسارعا على المستوى الدولي. كما يمكن أن يساهم هذا التوجه في تشجيع المبادرات التي تربط بين الجامعات والباحثين والمهنيين والفاعلين في مجال التكنولوجيا، بما يتيح الاستفادة من الكفاءات المحلية وتطوير حلول تستند إلى فهم واقعي لمتطلبات القطاع الصحي.
وفي هذا الإطار، يتطلع مشروع «ORY+» إلى توسيع آفاقه خارج المغرب، في مسار يضع الابتكار المحلي أمام تحدي إثبات قدرته على الاستجابة لمتطلبات مهنية وعلمية متنوعة. غير أن التوسع الدولي في مجال الصحة النفسية يقتضي مراعاة اختلاف الأطر القانونية والمعايير المهنية واحتياجات المستخدمين من بلد إلى آخر، إلى جانب إخضاع الأدوات الرقمية للتقييم المستمر والتحقق من مدى ملاءمتها للاستخدامات المستهدفة.
ويعيد تقديم هذا المشروع بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية تسليط الضوء على أهمية الجمع بين التطور التكنولوجي والبعد الإنساني في الرعاية الصحية. فالمعيار الأساسي لنجاح أي ابتكار في هذا المجال لا يرتبط بحداثة التقنية وحدها، وإنما بقدرته على مساعدة المختصين وتحسين ظروف عملهم، مع احترام كرامة الأفراد وخصوصيتهم وضمان بقاء الإنسان في صلب عملية الرعاية.
وبين طموح تطوير حلول رقمية جديدة والحاجة إلى ضمانات علمية وأخلاقية صارمة، يبرز مشروع «ORY+» باعتباره مبادرة مغربية تسعى إلى استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي في دعم الصحة النفسية. ويبقى تقييم أثره العملي مرتبطا بمدى قدرته على تلبية احتياجات المهنيين، وتوفير معايير موثوقة للاستخدام، والمساهمة في تطوير رعاية نفسية أكثر استجابة للتحديات المعاصرة.







