إعلان
980×90
مساحة إعلانية
تقارير

الخطاب الملكي يضع مدريد أمام معادلة جديدة للشراكة مع المغرب

15:52 · 10/10/2026

رحاب الغرباوي

فرض الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، الجمعة 9 أكتوبر، أمام أعضاء البرلمان، نقاشا واسعا داخل المشهد الإعلامي الإسباني، بعدما حمل رسائل واضحة بشأن مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد، وحدود التعاون في الملفات المشتركة، وفي مقدمتها الهجرة غير النظامية. وأظهرت التغطيات الإسبانية أن مضامين الخطاب تجاوزت النقاش المرتبط بالتدبير اليومي للأزمات، لتطرح أسئلة أعمق حول طبيعة الشراكة بين البلدين وشروط استمرارها على أسس متوازنة.

اقرأ أيضا:أندرو موريسون يشيد برؤية الملك محمد السادس لتعزيز مكانة المغرب دوليا

وأبرزت وسائل إعلام إسبانية بارزة أن المغرب يتجه نحو تدقيق قواعد تعاونه مع شركائه، انطلاقا من ضرورة صيانة المصالح الوطنية وضمان الاحترام المتبادل، بعيدا عن أي محاولات لإخضاع الملفات المشتركة لحسابات سياسية داخلية. وتصدر رفض الضغط والتهديد والابتزاز أبرز الرسائل التي استوقفت الصحافة الإسبانية، في إشارة إلى أن العلاقات الاستراتيجية لا يمكن أن تستقيم بمنطق الأحادية أو تحميل طرف واحد كلفة تدبير القضايا ذات الامتدادات الإقليمية والأوروبية.

وخصصت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية (RTVE) وإذاعة «كادينا سير» حيزا مهما من تغطيتهما لملف الهجرة، متوقفتين عند تأكيد الملك محمد السادس أن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال بلغ حدوده، رغم النتائج التي حققها التنسيق المغربي الإسباني في مكافحة الهجرة غير النظامية. ويبرز هذا الموقف أن نجاح التعاون الأمني لا يعفي الشركاء من مسؤولية معالجة الاختلالات القانونية والعملية التي تعترضه، ولا يسمح باستمرار الاعتماد على آليات لم تعد قادرة على مواكبة تعقيدات الملف.

وتعكس هذه الرسالة توجها نحو الانتقال من تدبير الأزمات المتكررة إلى بناء تصور أكثر شمولا، يوزع المسؤوليات بصورة عادلة ويأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الأمنية والإنسانية والقانونية للهجرة. فالمغرب، بحكم موقعه الجغرافي ودوره في محيطه الإقليمي، يضطلع بمسؤوليات مهمة في هذا المجال، غير أن استدامة التعاون تظل مرتبطة بمدى استعداد الأطراف المعنية لتطوير آلياته واحترام الالتزامات المتبادلة.

وفي السياق ذاته، سلطت صحيفة «إل إسبانيول» الضوء على الصعوبات التي تواجه معالجة ملفات إعادة المهاجرين، ولا سيما القاصرين والأشخاص الذين يطلبون اللجوء، معتبرة أن استمرار هذه الإشكالات يضع النموذج القائم أمام تحديات متزايدة. وتبرز أهمية هذه النقطة في كونها تنقل النقاش من تبادل المواقف السياسية إلى ضرورة إيجاد حلول عملية تتجاوز التعقيدات القانونية والقضائية، وتحد من استغلال الثغرات من قبل الشبكات الإجرامية الناشطة في مجال الهجرة غير النظامية.

أما صحيفة «إل باييس»، فقد اهتمت بالأبعاد السياسية للخطاب، خاصة ما يرتبط برفض توظيف قضايا التعاون الثنائي في التجاذبات الداخلية الإسبانية. كما تناولت التغطيات توقيت الرسائل الملكية في ظل استمرار النقاش بشأن أزمة الهجرة في سبتة، واقتراب الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، مع الإشارة إلى أن الخطاب لم يتطرق إلى هذه الزيارة بشكل مباشر.

اقرأ أيضا:الخطاب الملكي يفتتح مرحلة سياسية جديدة أمام حكومة المنصوري وبرلمان الولاية الثانية عشرة

وتكشف هذه القراءة الإعلامية عن حساسية المرحلة التي تمر بها العلاقات المغربية الإسبانية، لكنها لا تعني أن الرباط تتجه نحو إغلاق أبواب التعاون أو التخلي عن الشراكة القائمة. فالرسائل الملكية تضع، بالأحرى، شروطا واضحة لاستمرارها، قوامها الثقة والوضوح وتوازن المصالح، وهي عناصر ضرورية لحماية المكتسبات التي راكمها البلدان خلال السنوات الماضية، وتحصينها من تأثير الخلافات الظرفية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية إضافية بالنظر إلى التشابك الاقتصادي والأمني والجغرافي بين المغرب وإسبانيا، فضلا عن المصالح المشتركة التي تربطهما بالفضاء الأوروبي وبمنطقة غرب البحر الأبيض المتوسط. ومن ثم، فإن تطوير العلاقات الثنائية يقتضي تجاوز المقاربات التي تختزل المغرب في دور أمني مرتبط بمراقبة الحدود، نحو شراكة تعترف بتعدد أدواره ومصالحه، وتمنحه موقع الطرف الذي يساهم في صياغة الحلول، لا مجرد تنفيذ الترتيبات التي يضعها الآخرون.

وفي مقابل الاهتمام الإعلامي الذي حظيت به الرسائل الموجهة إلى مدريد، حضرت الأوراش الداخلية في الخطاب الملكي ضمن رؤية أوسع ترتبط بالتنمية وتمكين الشباب وتحقيق العدالة المجالية وتحفيز الاستثمار. ويؤكد الجمع بين هذه الأولويات والملفات الخارجية أن قوة الموقف الدبلوماسي ترتبط أيضا بمتانة الجبهة الداخلية، وبقدرة المملكة على مواصلة بناء اقتصادها وتعزيز استقرارها وتوسيع مجالات شراكاتها الدولية.

وبهذا المعنى، فإن الرسالة الملكية لا تختزل مستقبل العلاقات مع إسبانيا في الخلاف حول الهجرة، بل تضع التعاون الثنائي أمام ضرورة التكيف مع مرحلة جديدة، تتطلب مراجعة الاختلالات وصون المصالح المشتركة من التوظيف السياسي. كما أن الاهتمام الذي أبدته وسائل الإعلام الإسبانية بمضامين الخطاب يؤشر إلى أهمية الرسائل التي حملها بشأن قواعد الشراكة وحدودها، في وقت يحتاج فيه البلدان إلى مزيد من التنسيق المسؤول والابتعاد عن كل ما قد يضعف الثقة بينهما.

وتظل قوة الموقف المغربي في وضوح مطالبه واستعداده لمواصلة التعاون ضمن إطار يحفظ السيادة والكرامة وتكافؤ الالتزامات. وهي مقاربة تتيح للرباط الدفاع عن مصالحها الوطنية، مع الإبقاء على فرص الحوار مفتوحة أمام مدريد، بما يجعل الشراكة بين البلدين أكثر توازنا وقدرة على مواجهة التحديات المشتركة.