كوثر بوجوال
كشف تقرير جديد صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2026 عن تطور مقلق في مستويات الفقر متعدد الأبعاد عبر العالم، بعدما ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت وطأة أشكال متداخلة من الحرمان إلى نحو 1.2 مليار شخص، في أول زيادة يسجلها المؤشر العالمي منذ انطلاق رصده سنة 2010.
وأفاد التقرير بأن عدد المتضررين ارتفع بمقدار 51.5 مليون شخص مقارنة بآخر إحصائية مسجلة، في تحول يعكس حجم التحديات التي تواجه الجهود الدولية الرامية إلى تحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر هشاشة، وضمان استفادتها من الخدمات الأساسية.
ويكتسي هذا الارتفاع أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المؤشر، الذي لا يقتصر على قياس مستويات الدخل، بل يتجاوزها إلى رصد أشكال الحرمان المرتبطة بالصحة والتعليم وظروف العيش، بما يسمح بتكوين صورة أوسع عن واقع الفقر وتأثيراته على الأفراد والأسر.
وفي هذا السياق، حذر مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ألكسندر دي كرو، من خطورة النتائج الجديدة، معتبراً أن الارتفاع المسجل ينبغي أن يشكل جرس إنذار للمجتمع الدولي، بالنظر إلى التداعيات الاجتماعية والإنسانية التي تترتب عن استمرار الحرمان من أبسط مقومات الحياة.
وأوضح المسؤول الأممي أن ملايين الأشخاص ما زالوا يواجهون صعوبات في الحصول على الغذاء والتعليم والمياه النظيفة والكهرباء، مشيراً إلى أن الأطفال يمثلون أكثر من نصف الأشخاص المتضررين.
الفقر متعدد الأبعاد يكشف اتساع الحرمان من الخدمات الأساسية
يعتمد مفهوم الفقر متعدد الأبعاد على تقييم مجموعة من المؤشرات المرتبطة بجودة الحياة، بدلاً من الاكتفاء بتحديد ما إذا كان دخل الفرد يقع تحت عتبة مالية معينة.
فقد تعيش أسرة بدخل محدود، لكنها تواجه في الوقت نفسه صعوبات إضافية تتعلق بتمدرس الأطفال، أو الوصول إلى الخدمات الصحية، أو التزود بالمياه الصالحة للشرب والكهرباء، ما يجعل وضعها أكثر تعقيداً من مجرد نقص الموارد المالية.
ومن هذا المنطلق، يتيح المؤشر التعرف على طبيعة الحرمان الذي تواجهه الفئات السكانية، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تدخلات عمومية أكثر فعالية.
وتبرز خطورة النتائج الجديدة في ارتفاع نسبة الأطفال ضمن المتضررين، إذ يشكلون أكثر من نصف الأشخاص الذين يعانون الفقر متعدد الأبعاد، وفق التقرير الأممي.
ويعني ذلك أن أعداداً كبيرة من الأطفال تنشأ في بيئات تفتقر إلى بعض الشروط الضرورية للنمو والتعلم والحياة الصحية، وهو ما قد يؤثر في فرصهم المستقبلية ويزيد احتمالات استمرار الفقر عبر الأجيال.
كما أن تداخل أوجه الحرمان يجعل معالجتها أكثر تعقيداً، لأن تحسين الدخل وحده قد لا يكون كافياً عندما تستمر صعوبات الولوج إلى المدرسة أو العلاج أو الخدمات الأساسية.
النمو السكاني يساهم في ارتفاع عدد الفقراء
أبرز التقرير أن النمو السكاني ساهم بدوره في زيادة العدد الإجمالي للأشخاص الذين يعانون الفقر متعدد الأبعاد، إذ ارتبطت به زيادة تقدر بنحو 15.4 مليون شخص.
وتشير هذه النتيجة إلى أهمية التمييز بين تطور العدد الإجمالي للفقراء وتغير نسبة الفقر داخل المجتمعات، إذ يمكن أن يرتفع عدد المتضررين بفعل زيادة السكان حتى عندما تحقق بعض البلدان تقدماً في تقليص معدلات الحرمان.
غير أن الزيادة الإجمالية البالغة 51.5 مليون شخص تطرح تساؤلات بشأن قدرة السياسات الاجتماعية والاقتصادية على مواكبة التحولات السكانية وتوسيع الاستفادة من الخدمات الضرورية.
وتزداد أهمية هذه المسألة في البلدان التي تواجه ضغوطاً على البنيات التعليمية والصحية وشبكات الماء والكهرباء، حيث يصبح توسيع الخدمات وتحسين جودتها جزءاً أساسياً من جهود الحد من الفقر.
الفقر متعدد الأبعاد يتراجع في 33 دولة رغم الارتفاع العالمي
في مقابل النتائج المقلقة على المستوى العالمي، سجل التقرير مؤشرات إيجابية في عدد من البلدان التي تمكنت من تحقيق تقدم ملموس في مكافحة الفقر.
وأفاد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأن 33 دولة من أصل 89 دولة تتوافر بشأنها بيانات نجحت في خفض مؤشر الفقر متعدد الأبعاد إلى النصف خلال فترة تقل عن 15 عاماً.
وشملت هذه المجموعة ست دول إفريقية، في مؤشر على إمكانية تحقيق نتائج مهمة في تقليص الحرمان عندما تنجح السياسات التنموية في توسيع الاستفادة من الخدمات الأساسية وتحسين الظروف المعيشية.
ويكشف هذا التفاوت بين البلدان أن مسار مكافحة الفقر ليس موحداً، وأن النتائج تتأثر بمدى فعالية البرامج الاجتماعية والاستثمارات الموجهة إلى التعليم والصحة والبنيات التحتية.
كما يعكس التقدم الذي أحرزته بعض الدول أهمية اعتماد تدخلات تستهدف أوجه الحرمان المختلفة بصورة متكاملة، بما يتيح معالجة الأسباب التي تدفع الأسر إلى البقاء في أوضاع اجتماعية هشة.
وتأتي نتائج تقرير 2026 في وقت يواصل فيه المجتمع الدولي العمل على تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وفي مقدمتها القضاء على الفقر بجميع أشكاله.
وبين الارتفاع العالمي إلى 1.2 مليار شخص والنجاحات المسجلة في 33 دولة، يضع التقرير الحكومات والمؤسسات الدولية أمام تحدٍ متجدد يتمثل في تحويل جهود مكافحة الفقر إلى تحسينات ملموسة في حياة السكان، خصوصاً الأطفال الذين يتحملون جانباً كبيراً من تبعات الحرمان.
وتؤكد الأرقام الجديدة أن الفقر متعدد الأبعاد يظل واحداً من أبرز التحديات التنموية عالمياً، وأن الحد منه يرتبط بقدرة الدول على ضمان التعليم والرعاية الصحية والمياه النظيفة والكهرباء، إلى جانب توفير فرص اقتصادية تساعد الأسر على تحسين ظروفها المعيشية.






