اقتصاد

صندوق النقد يبشر المغرب بنمو اقتصادي قوي وتراجع البطالة

19:54 · 13/10/2026

منال الهداوي

يرتقب أن يواصل الاقتصاد المغربي تسجيل أداء إيجابي خلال سنة 2026، في ظل توقعات تشير إلى إمكانية بلوغ معدل النمو 4.5 في المائة، قبل أن يستقر في حدود 4.2 في المائة خلال سنة 2027، وهي مؤشرات تعكس استمرار النشاط الاقتصادي الوطني وسط تحولات إقليمية ودولية تؤثر في حركة التجارة والاستثمار والأسعار. وتضع هذه التوقعات المغرب أمام مرحلة تتطلب تعزيز المكتسبات الاقتصادية وتحويل تحسن المؤشرات العامة إلى نتائج ملموسة على مستوى التشغيل والقدرة الشرائية وظروف عيش الأسر.

وتكشف الأرقام المنتظرة عن مسار اقتصادي يتسم بتفاوت بين المؤشرات الرئيسية، إذ يتزامن النمو المرتقب مع توقعات باستمرار مستويات التضخم في نطاق محدود نسبيا، مقابل استمرار تحديات سوق الشغل والحسابات الخارجية. ويبرز هذا الوضع أهمية مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، بما يساعد على تقوية قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التقلبات الخارجية وتحقيق نمو أكثر استدامة وشمولية.

وفي هذا السياق، تشير التوقعات إلى أن معدل التضخم في المغرب سيبلغ نحو 0.9 في المائة خلال سنة 2026، على أن يرتفع إلى 1.4 في المائة خلال السنة الموالية. وتعكس هذه الأرقام، وفق المعطيات المتاحة، وتيرة محدودة لارتفاع المستوى العام للأسعار مقارنة بمعدلات التضخم المرتفعة التي عرفتها اقتصادات أخرى خلال السنوات الأخيرة، غير أن انعكاس هذا المؤشر على الحياة اليومية للمواطنين يظل مرتبطا أيضا بتطور أسعار المواد الغذائية والسكن والنقل والخدمات الأساسية.

إقرأ أيضا : ميناء-الداخلة-الأطلسي-يقترب-من-إنجاز

ومن جهة أخرى، يظل انخفاض التضخم العام مؤشرا يحتاج إلى قراءة متوازنة، لأن تباطؤ ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة عودة جميع المواد والخدمات إلى مستوياتها السابقة. فالأثر الفعلي لهذا التطور يتوقف على تطور المداخيل والأجور، ومدى قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، فضلا عن الاختلافات القائمة بين فئات المجتمع والمناطق من حيث تكاليف المعيشة.

وعلى مستوى سوق الشغل، تبرز البطالة باعتبارها أحد أبرز التحديات التي ستحدد مدى استفادة المواطنين من النمو الاقتصادي المتوقع. وتشير التقديرات إلى أن معدل البطالة قد يصل إلى 12.2 في المائة خلال سنة 2026، قبل أن ينخفض إلى 11.3 في المائة خلال سنة 2027، وهو تراجع مرتقب يكتسي أهمية خاصة في ظل المطالب المتواصلة بتوفير فرص عمل مستقرة وتحسين آفاق الإدماج المهني، ولا سيما بالنسبة إلى الشباب وحاملي الشهادات.

ومع ذلك، فإن تحقق هذا الانخفاض سيظل مرتبطا بقدرة القطاعات الإنتاجية والخدماتية على إحداث مناصب شغل جديدة بوتيرة كافية، وبمدى ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق العمل. كما تبرز الحاجة إلى تقوية الاستثمار المنتج ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها من المجالات التي يمكن أن تسهم في توسيع فرص التشغيل وتحسين توزيع ثمار النمو بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وفي المقابل، تتجه التوقعات المتعلقة بالحساب الجاري نحو تسجيل عجز يعادل 4.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2026، على أن يتقلص إلى 4.1 في المائة في سنة 2027. ويعكس هذا المؤشر أهمية التوازنات الخارجية في تقييم الوضع الاقتصادي، بالنظر إلى ارتباطه بتدفقات التجارة والخدمات والدخل والتحويلات المالية مع الخارج.

ويطرح استمرار عجز الحساب الجاري تحديات مرتبطة بقدرة الاقتصاد الوطني على تغطية احتياجاته الخارجية وتعزيز موارده من العملة الأجنبية. وفي هذا الإطار، يمكن لتنويع الصادرات وتحسين تنافسية المنتجات المغربية وتوسيع قاعدة الأسواق المستهدفة أن يدعم التوازنات الخارجية، بالتوازي مع تشجيع الاستثمارات القادرة على خلق قيمة مضافة محلية وتقليص الاعتماد على الواردات في بعض المجالات.

كما تكتسي الاستثمارات في الصناعة والسياحة والطاقات المتجددة والبنيات التحتية أهمية في دعم النمو على المدى المتوسط، خصوصا عندما تساهم في رفع الإنتاجية وتطوير سلاسل التوريد المحلية. غير أن أثر هذه الاستثمارات لا يقاس بحجم المشاريع وحده، بل يرتبط أيضا بقدرتها على خلق فرص العمل وتحسين الصادرات وتوسيع استفادة المقاولات الوطنية من النشاط الاقتصادي.

وعلى الصعيد الإقليمي، ترسم التوقعات صورة متباينة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ تشير إلى انكماش اقتصادي بنسبة 2 في المائة خلال سنة 2026، يعقبه انتعاش قوي بنسبة 7 في المائة خلال سنة 2027. ويعكس هذا التفاوت حجم التقلبات التي تعرفها المنطقة، في ظل اختلاف الأوضاع الاقتصادية بين دولها وتأثر عدد منها بالتوترات الجيوسياسية وتغيرات أسواق الطاقة والتجارة الدولية.

ويجعل هذا السياق الإقليمي من الضروري متابعة تطور الطلب الخارجي والأسعار العالمية وتدفقات الاستثمار، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على الاقتصادات المرتبطة بالأسواق الدولية. كما تبرز أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي وتنويع الشراكات التجارية، بما يتيح فرصا إضافية لتوسيع المبادلات وتحسين قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات.

أما على المستوى العالمي، فتشير التوقعات إلى نمو الاقتصاد الدولي بنسبة 3.1 في المائة خلال سنة 2026، قبل ارتفاعه إلى 3.4 في المائة سنة 2027. وفي الوقت نفسه، ينتظر أن يرتفع التضخم العالمي من 4.1 في المائة خلال سنة 2025 إلى 4.7 في المائة خلال سنة 2026، قبل أن يتراجع مجددا إلى 4.1 في المائة خلال السنة الموالية.

وتوضح هذه المؤشرات أن الاقتصاد العالمي يواصل مواجهة تحديات تتعلق بتطور الأسعار وتكلفة التمويل وحركة التجارة والاستثمار، وهي عوامل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الاقتصادات الوطنية. وبالنسبة إلى المغرب، يظل الحفاظ على وتيرة النمو رهينا أيضا بقدرته على الاستفادة من الفرص الخارجية، مع الحد من تأثير التقلبات الدولية على الأسعار والإنتاج والتوازنات المالية.

وفي المحصلة، تمنح توقعات نمو الاقتصاد المغربي بنسبة 4.5 في المائة خلال سنة 2026 مؤشرا إيجابيا بشأن آفاق النشاط الاقتصادي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستوى التحسن الاجتماعي المنتظر. فالتحدي الأساسي يتمثل في تحويل النمو إلى فرص عمل مستدامة، وتحسين القدرة الشرائية، وتقوية تنافسية المقاولات، مع الحفاظ على التوازنات المالية والخارجية.

وتبقى سنة 2027 محطة مهمة لاختبار مدى تحقق هذه التوقعات، خصوصا مع الرهان على تراجع البطالة إلى 11.3 في المائة وانخفاض عجز الحساب الجاري إلى 4.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبين المؤشرات الإيجابية والتحديات القائمة، ستظل قدرة الاقتصاد المغربي على تحقيق نمو مستدام مرتبطة بمدى نجاح السياسات العمومية في دعم الاستثمار المنتج وتوسيع فرص الشغل وتحقيق تنمية أكثر توازنا بين مختلف جهات المملكة.