سياسة

الملك فيليبي السادس يصل الى سبتة ومليلية المحتلتين

13:06 · 14/10/2026

زوروا قناتنا على يوتيوب

رحاب الغرباوي

أعاد العاهل الإسباني فيليبي السادس، بزيارته مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين يومي الثلاثاء والأربعاء، ملف الثغور المغربية الخاضعة للإدارة الإسبانية إلى واجهة النقاش السياسي، في تحرك يحمل أبعادا تتجاوز طابعه البروتوكولي، بالنظر إلى رمزيته المرتبطة بموقف مدريد من مستقبل المدينتين ومطالب المغرب باستعادة سيادته عليهما.

اقرأ أيضا:
ملك إسبانيا يتشبث بسبتة ومليلية المحتلتين ويبعث برسالة مزدوجة إلى المغرب

وشكلت محطة مليلية، التي وصل إليها الملك الإسباني اليوم الأربعاء برفقة الملكة ليتيزيا، امتدادا لزيارته سبتة أمس الثلاثاء، في أول جولة من نوعها يقوم بها إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من توقيتها وسياقها السياسي، خصوصا أنها تأتي في ظل استمرار الخلاف التاريخي حول وضعية الثغرين، وما يثيره هذا الملف من حساسيات في العلاقات المغربية الإسبانية.

ولم تقتصر الزيارة على لقاءات رسمية داخل المؤسسات المحلية، بل تضمنت أيضا أنشطة تربوية واجتماعية ولقاءات مع ممثلي المجتمع المحلي، في برنامج يرمي إلى إبراز حضور المؤسسة الملكية الإسبانية في المدينتين وتأكيد ارتباطهما بالمؤسسات السياسية والإدارية التابعة للدولة الإسبانية.

واستقبل فيليبي السادس وزوجته في مليلية حشد من المواطنين الإسبان الذين احتشدوا في عدد من الشوارع والساحات، رافعين شعارات مؤيدة للملك، وسط أجواء احتفالية عكست أهمية الزيارة لدى قطاعات من سكان المدينة. وحملت هذه المشاهد، في سياقها السياسي، رسائل مرتبطة بتمسك مدريد بموقفها من وضعية مليلية، التي يعتبرها المغرب جزءا من أراضيه الخاضعة للاحتلال.

واستهل العاهل الإسباني برنامجه باستقبال رسمي داخل مقر الجمعية العامة لمليلية، المعروف باسم «Palacio de la Asamblea»، حيث كان في استقباله رئيس الحكومة المحلية خوان خوسيه إمبرودا. وشهدت المناسبة تسليم الملك ما يعرف بـ«المفتاح الذهبي للمدينة»، خلال مراسم احتضنتها القاعة الذهبية، بحضور نحو 60 شخصية تمثل مؤسسات محلية وقضائية وعسكرية، إلى جانب مسؤولين وشخصيات دينية.

ويحمل هذا التكريم طابعا رمزيا داخل التقاليد المؤسساتية للمدينة، لكنه اكتسب أبعادا إضافية بالنظر إلى كون الزيارة الملكية الأولى من نوعها منذ تولي فيليبي السادس العرش، وما يرتبط بها من تأكيد على استمرار العلاقة بين التاج الإسباني والمدينتين الواقعتين على الساحل الشمالي لإفريقيا.

وضمن الأنشطة المبرمجة، توجه الملك والملكة إلى المدرسة العمومية «Pintor Eduardo Morillas»، التي تستقبل أكثر من 900 تلميذ ويعمل بها 79 معلما، للاطلاع على سير العملية التعليمية ومشروع مخصص لمواكبة التلاميذ المصابين بالتوحد. كما تضمن البرنامج لقاء مع نحو 400 شخصية من مختلف مكونات المجتمع المحلي، في محطة تهدف إلى إبراز الطابع الاجتماعي للزيارة وتوسيع دائرة التواصل مع الفاعلين في المدينة.

وتأتي هذه التحركات في وقت لا يزال فيه ملف سبتة ومليلية حاضرا في النقاش السياسي بين المغرب وإسبانيا، بالنظر إلى الخلفية التاريخية للمدينتين وموقعهما الجغرافي داخل التراب المغربي. وبينما تتمسك مدريد بإدارتهما باعتبارهما جزءا من الدولة الإسبانية، يواصل المغرب التأكيد على مطالبه المرتبطة باستكمال وحدته الترابية وإنهاء الوجود الإسباني في الثغور المحتلة.

وتكتسي الجولة الملكية أهمية إضافية بسبب غياب رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عن الزيارة، وهو ما أثار الانتباه إلى طبيعة التمثيل الرسمي المصاحب لهذا التحرك. وفي الوقت الذي تولت فيه المؤسسة الملكية واجهة الأنشطة الميدانية، ظل الملف مرتبطا بحسابات سياسية أوسع تتصل بعلاقة الحكومة المركزية بالمدينتين وبكيفية تدبير القضايا ذات الحساسية السيادية في الداخل الإسباني.

كما ترتبط الزيارة بسياق داخلي إسباني شهد نقاشا بشأن تدبير ملف الهجرة غير النظامية، ولا سيما محاولات العبور الجماعي نحو سبتة خلال الفترة الأخيرة، وما صاحبها من انتقادات للسلطات بشأن الجاهزية الأمنية والسياسات المعتمدة على الحدود. وقد أعاد هذا الموضوع تسليط الضوء على الوضع الخاص للمدينتين، اللتين تمثلان نقطتي عبور بين إفريقيا وأوروبا، وتواجهان تحديات متشابكة تشمل الهجرة والأمن والتدبير الحدودي.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة حضور الملك الإسباني في سبتة ومليلية باعتباره محاولة لإبراز دعم المؤسسات الإسبانية للسلطات المحلية، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بالهجرة والجدل بشأن مسؤولية الحكومة المركزية في حماية الحدود وتوفير الاستقرار. غير أن هذا البعد الداخلي لا يلغي الدلالات الخارجية للزيارة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بملف السيادة الذي يشكل أحد أبرز الملفات العالقة بين الرباط ومدريد.

في المقابل، قوبلت الزيارة بانتقادات داخل الأوساط المدنية والسياسية المغربية، التي اعتبرت انتقال العاهل الإسباني بين المدينتين المحتلتين تصرفا استفزازيا لا ينسجم مع مقتضيات الاحترام المتبادل الذي يفترض أن يؤطر العلاقات بين البلدين. وترى هذه الأوساط أن تنظيم أنشطة رسمية على هذا المستوى في الثغور المحتلة يبعث برسائل سياسية تتعارض مع الموقف المغربي الرافض لاستمرار السيطرة الإسبانية على المدينتين.

وتستند هذه الاعتراضات إلى اعتبار سبتة ومليلية جزءا من المجال الترابي المغربي، وإلى أن معالجة وضعيتهما ينبغي ألا تنفصل عن الاعتبارات التاريخية والسياسية التي تحكم علاقات البلدين. كما تثير الزيارة، وفق هذا المنظور، تساؤلات بشأن مدى استعداد مدريد للتعامل مع هذا الملف ضمن حوار ثنائي يأخذ بعين الاعتبار المطالب المغربية، بدل الاكتفاء بتجديد التأكيد على الوضع القائم.

وتضع هذه التطورات العلاقات المغربية الإسبانية أمام معادلة دقيقة، إذ ترتبط الشراكة بين الطرفين بملفات استراتيجية متعددة، من بينها التعاون الاقتصادي والأمني وتدبير الهجرة والتنسيق الإقليمي، في حين يظل ملف الثغور المحتلة نقطة خلاف تاريخية لم تعرف تسوية نهائية. ويجعل هذا التداخل من أي تحرك رسمي إسباني داخل المدينتين حدثا يتجاوز حدوده المحلية، ليصبح موضع قراءة سياسية في الرباط ومدريد على حد سواء.

ولا يعني استمرار التعاون بين البلدين بالضرورة اختفاء الخلافات المرتبطة بالقضايا السيادية، كما أن التمسك بالمواقف التقليدية لا يمنع من استمرار المصالح المشتركة التي تدفع الطرفين إلى الحفاظ على قنوات التواصل. غير أن الزيارة الملكية الأخيرة أعادت إبراز التباين القائم بين التصور الإسباني لوضعية سبتة ومليلية والموقف المغربي الذي يرفض الاعتراف باستمرار السيطرة الإسبانية عليهما.

وبينما اختارت مدريد تنظيم الزيارة في إطار رسمي وشعبي واسع، تتجه الأنظار إلى انعكاساتها السياسية وإلى ما إذا كانت ستؤثر في أجواء الحوار الثنائي خلال المرحلة المقبلة. ويبقى ملف المدينتين، بما يحمله من أبعاد تاريخية وجغرافية وسيادية، من القضايا التي تتطلب معالجة سياسية تتجاوز الرسائل الرمزية والمراسم الرسمية، في اتجاه البحث عن تسوية تأخذ بعين الاعتبار جذور الخلاف وتداعياته على مستقبل العلاقات بين المغرب وإسبانيا.

زوروا قناتنا على يوتيوب