اقتصاد

الخضر والفواكه المغربية تقتحم السوق الإسبانية بـ982 مليون يورو

21:44 · 15/10/2026

منال الهداوي

حققت الخضر والفواكه المغربية حضورا ماليا لافتا داخل السوق الإسبانية خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، بعدما ارتفعت قيمة الواردات القادمة من المملكة إلى 982 مليون يورو، رغم انخفاض الكميات المستوردة بنسبة 8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتعكس هذه الأرقام مفارقة مهمة في مسار التجارة الفلاحية بين البلدين، إذ لم يمنع تراجع حجم المنتجات المغربية من تعزيز قيمتها داخل واحد من أبرز الأسواق الأوروبية المستقبلة للصادرات الزراعية المغربية.

وكشفت المعطيات التجارية المسجلة بين يناير ويوليوز 2026 أن إسبانيا استوردت من المغرب ما مجموعه 373 ألفا و958 طنا من الخضر والفواكه الطرية، مقابل كميات أكبر خلال الفترة المقابلة من السنة الماضية. ومع ذلك، ارتفعت القيمة الإجمالية لهذه المبادلات بنحو 5 في المائة، وهو ما يسلط الضوء على التغيرات التي تعرفها أسعار المنتجات الفلاحية وتكاليف تسويقها، فضلا عن طبيعة الأصناف التي تجد طريقها إلى المستهلك الإسباني.

ويبرز هذا التطور استمرار أهمية القطاع الفلاحي المغربي في العلاقات التجارية مع إسبانيا، خاصة أن السوق الإسبانية تشكل وجهة رئيسية للعديد من المنتجات الزراعية القادمة من المملكة. كما يوضح أن تقييم أداء الصادرات لا يرتبط بالكميات وحدها، بل يتطلب النظر أيضا إلى القيمة المالية المحققة، ومدى قدرة المنتجات على الحفاظ على حضورها التنافسي في الأسواق الخارجية.

وفي هذا السياق، حافظ المغرب على موقعه في صدارة الدول الموردة لإسبانيا من حيث القيمة المالية للخضر والفواكه، متقدما على عدد من الشركاء التجاريين الذين يسجلون حضورا قويا في هذا المجال. ويكتسي هذا الموقع أهمية خاصة بالنسبة إلى الصادرات المغربية، بالنظر إلى المنافسة المتزايدة داخل السوق الأوروبية، حيث تتقاطع المنتجات القادمة من بلدان الاتحاد الأوروبي مع واردات من دول أخرى تسعى إلى توسيع حصتها التجارية.

وعلى مستوى الكميات، جاءت فرنسا في مقدمة الموردين لإسبانيا، بعدما بلغت صادراتها من الخضر والفواكه نحو 681 ألفا و99 طنا خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة، مسجلة زيادة بنسبة 4 في المائة على أساس سنوي. ويكشف هذا الفارق بين ترتيب الموردين حسب الحجم وترتيبهم حسب القيمة عن اختلاف طبيعة المبادلات التجارية، إذ لا يعني تصدير كميات أكبر بالضرورة تحقيق عائدات مالية أعلى.

إقرأ أيضا : أسعار-الخضر-والفواكه-تهوي-بعد-موسم

وتعكس هذه المقارنة خصوصية موقع المغرب داخل السوق الإسبانية، حيث تتيح القيمة المالية المرتفعة لصادراته الحفاظ على مكانة متقدمة رغم انخفاض حجم المنتجات المصدرة. غير أن تفسير هذه النتيجة بصورة دقيقة يظل مرتبطا بتطور متوسط الأسعار، وتركيبة المنتجات المصدرة، وتكاليف النقل والتوزيع، وهي عوامل لا تكفي الأرقام الإجمالية وحدها لتحديد مساهمة كل منها في ارتفاع قيمة الواردات.

وفي المقابل، سجلت واردات إسبانيا الإجمالية من الخضر والفواكه نحو 2.87 مليون طن خلال الفترة ذاتها، في مؤشر على استمرار الطلب على المنتجات الزراعية المستوردة لتلبية حاجيات السوق. وتوزعت هذه الواردات بين موردين أوروبيين وآخرين من خارج الاتحاد الأوروبي، في ظل منافسة تتأثر بعوامل متعددة، من بينها المواسم الزراعية، وتوافر المحاصيل، والأسعار، وشروط الولوج إلى الأسواق.

كما برزت مصر ضمن الدول التي عززت حضورها في السوق الإسبانية، بعدما ارتفعت صادراتها من الخضر والفواكه بنسبة 43 في المائة لتصل إلى 113 ألفا و338 طنا. وتؤشر هذه الزيادة إلى تنامي المنافسة بين البلدان المصدرة للمنتجات الزراعية، خصوصا في الأسواق التي تستقطب كميات كبيرة من الواردات وتوفر فرصا تجارية للموردين القادرين على الاستجابة للطلب.

ومن جهة أخرى، أظهرت الأرقام المتعلقة بواردات إسبانيا من دول الاتحاد الأوروبي ارتفاع الكميات بنسبة 2 في المائة، لتصل إلى 1.29 مليون طن، مقابل انخفاض القيمة المالية لهذه الواردات بنسبة 4 في المائة إلى نحو 980 مليون يورو. وتكشف هذه النتيجة بدورها عن اختلاف العلاقة بين حجم المنتجات وقيمتها، إذ يمكن أن ترتفع الكميات المتداولة بالتزامن مع تراجع قيمتها المالية، تبعا للأسعار السائدة وتركيبة السلع المستوردة.

وتبرز هذه المقارنة أهمية التمييز بين مؤشرات الحجم ومؤشرات القيمة عند قراءة نتائج التجارة الفلاحية. فارتفاع قيمة الصادرات المغربية لا يثبت بمفرده أن الكميات المبيعة أو الإنتاج الزراعي قد ارتفعا، كما أن انخفاض الحجم لا يعني بالضرورة تراجع المداخيل التجارية. ولذلك تظل متابعة المؤشرين معا ضرورية لفهم الأداء الفعلي للصادرات المغربية داخل السوق الإسبانية.

وفي امتداد لهذه التحولات، استحوذت الدول الواقعة خارج الاتحاد الأوروبي على نحو 72 في المائة من القيمة الإجمالية لواردات إسبانيا من الخضر والفواكه، ما يعكس الوزن الذي باتت تمثله الأسواق الخارجية في تزويد المستهلك الإسباني بالمنتجات الطازجة. ويمنح هذا الوضع المغرب فرصة لمواصلة تعزيز موقعه التجاري، لكنه يضع صادراته أيضا أمام تحديات ترتبط بالتنافسية والجودة واستقرار الإمدادات والالتزام بالمعايير المعمول بها.

وبالتوازي مع هذه المؤشرات، عادت مسألة شروط المنافسة التجارية إلى الواجهة، بعدما جدد ممثلو المنتجين والمصدرين الإسبان مطالبهم بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل على المنتجات القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي. وتشمل هذه المطالب الشروط الصحية والنباتية والاجتماعية والبيئية، في نقاش يعكس التباين في وجهات النظر بشأن كيفية تنظيم المنافسة بين المنتجين الأوروبيين والموردين من الدول الشريكة.

كما امتدت هذه المطالب إلى الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، في ظل اعتراضات مرتبطة بتوسيع الامتيازات الجمركية لتشمل المنتجات القادمة من الصحراء. ويعكس هذا الملف تداخل الاعتبارات التجارية مع النقاشات القانونية والسياسية التي تحيط بالعلاقات بين الجانبين، وما يمكن أن يترتب عنها من تأثيرات على شروط ولوج المنتجات المغربية إلى الأسواق الأوروبية.

وتضع هذه التطورات الصادرات الفلاحية المغربية أمام معادلة تتجاوز تحقيق عائدات مالية مرتفعة خلال فترة محددة، لتشمل الحفاظ على استقرار المبادلات التجارية وتعزيز القدرة على مواجهة المنافسة وتغير القواعد المنظمة للسوق. كما تبرز الحاجة إلى قراءة تطور الصادرات في ضوء العوامل الاقتصادية والتجارية المحيطة بها، بعيدا عن الاكتفاء بمقارنة الأرقام السنوية.

وفي المحصلة، تؤكد حصيلة الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026 أن الخضر والفواكه المغربية حافظت على مكانة متقدمة في السوق الإسبانية من حيث القيمة المالية، بعدما بلغت وارداتها 982 مليون يورو رغم تراجع الكميات بنسبة 8 في المائة. وبين ارتفاع العائدات وتزايد المنافسة والجدل بشأن شروط التجارة، يبقى التحدي الأساسي أمام الصادرات المغربية هو تحويل هذه المكانة إلى حضور تجاري مستقر وقادر على الصمود أمام التحولات التي تعرفها الأسواق الأوروبية.