رحاب الغرباوي
لا تتطابق المؤشرات الخارجية للاقتصاد المغربي خلال أكتوبر 2026 في اتجاه واحد؛ فبينما استعاد الدرهم جزءا من قيمته أمام الأورو والدولار، وبلغت احتياطيات النقد الأجنبي مستويات مرتفعة، تكشف أرقام المبادلات التجارية عن اتساع الفارق بين ما يشتريه المغرب من الخارج وما يبيعه للأسواق الدولية. ويضع هذا التباين مسألة استدامة الاستقرار النقدي في صلب النقاش الاقتصادي، خصوصا مع تزايد اللجوء إلى التمويلات الخارجية لتغطية الحاجيات المالية.

اقرأ أيضا: الدرهم يتراجع أمام الأورو والدولار ومبادلات العملات تقفز بـ88%
وتبرز أهمية هذه المفارقة عند مقارنة الموارد التي يوفرها النشاط التجاري بالالتزامات التي يتعين على الاقتصاد الوفاء بها تجاه الخارج. فقد وصلت قيمة الواردات المغربية إلى 617.5 مليار درهم مع نهاية غشت 2026، مقابل صادرات بلغت 334.9 مليار درهم، وهو تفاوت دفع العجز التجاري إلى 282.6 مليار درهم، بزيادة سنوية قدرها 25.4 في المائة.
وتكشف هذه الأرقام أن نمو الصادرات، الذي بلغ 8.7 في المائة، لم يواكب الارتفاع المسجل في الواردات بنسبة 15.8 في المائة. كما انخفض معدل تغطية الواردات بالصادرات إلى 54.2 في المائة، بما يعني أن قيمة السلع المصدرة لا توفر سوى جزء من التمويل اللازم لتغطية المشتريات الخارجية.
وتزداد صعوبة تقليص هذا الاختلال مع ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية والمعدات التي تحتاج إليها السوق المغربية، إذ تؤدي هذه المشتريات إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية. وفي المقابل، يظل تعزيز الصادرات رهينا بقدرة القطاعات الإنتاجية على توسيع حضورها في الأسواق الدولية ورفع القيمة المضافة للمنتجات الموجهة إلى الخارج.
وفي هذا السياق، يكتسب التحسن المسجل في سعر الدرهم أهمية خاصة، لكنه لا يقدم بمفرده صورة كاملة عن وضع الاقتصاد الخارجي. فقد حدد بنك المغرب السعر المرجعي للدولار في 9.754 دراهم يوم 13 أكتوبر الجاري، مقابل 9.977 دراهم في السابع من الشهر نفسه، فيما تراجع سعر الأورو من 11.162 إلى 10.913 دراهم.
وجاء هذا التحول عقب فترة من التراجع فقد خلالها الدرهم 4.1 في المائة من قيمته أمام الدولار و1.78 في المائة أمام الأورو خلال شتنبر، وفق تقديرات مؤسسة الأبحاث المالية التابعة للبنك المغربي للتجارة الخارجية. وأشارت التقديرات إلى مساهمة اختلال العرض والطلب في سوق الصرف المحلية بنحو 2.6 نقطة في ارتفاع الدولار خلال الشهر، مقابل 1.5 نقطة مرتبطة بتأثير سلة العملات المرجعية.

وتشير هذه المعطيات إلى أن حركة الدرهم لا ترتبط فقط بالتغيرات التي تعرفها الأسواق الدولية، بل تتأثر أيضا بحجم الطلب المحلي على العملات الأجنبية وتوافرها. غير أن استعادة العملة الوطنية جزءا من قيمتها خلال أيام لا تعني بالضرورة أن حاجيات الاقتصاد من النقد الأجنبي تراجعت، أو أن الاختلال بين الواردات والصادرات بدأ يتقلص.
ويبرز جانب آخر من الصورة في الاحتياطيات الرسمية للمغرب، التي بلغت 515.7 مليار درهم في الثاني من أكتوبر، مسجلة ارتفاعا سنويا بنسبة 23 في المائة. وتمنح هذه الأصول السلطات النقدية قدرة أكبر على مواجهة التقلبات الخارجية وتوفير هامش من الأمان في تمويل الحاجيات بالعملات الأجنبية.
غير أن تقييم هذا الارتفاع يقتضي التمييز بين حجم الاحتياطيات ومصادر تكوينها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالموارد التي يتم تعبئتها عبر الاقتراض من الأسواق الدولية. فالتمويل الخارجي يساعد على توفير السيولة بالعملات الأجنبية، لكنه ينشئ في الوقت نفسه التزامات مالية تستحق في المستقبل، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بسندات يتعين تسديد أصلها وفوائدها بالعملة الأجنبية.
وفي هذا الإطار، أصدرت الخزينة المغربية في 19 ماي 2026 سندات دولية بقيمة 2.25 مليار أورو، موزعة على آجال استحقاق تبلغ ثماني سنوات و12 سنة، بعائدين قدرهما 4.842 في المائة و5.289 في المائة على التوالي. وتوفر هذه العملية موارد مالية إضافية، لكنها تفرض على المالية العمومية تحمل كلفة الاقتراض والوفاء بمواعيد السداد المحددة.
وتكمن المسألة الاقتصادية هنا في كيفية توظيف هذه التمويلات، ومدى مساهمتها في تقوية القطاعات المنتجة وتوسيع قدرة المغرب على تحصيل العملات الأجنبية مستقبلا. فإذا أسهمت الموارد المقترضة في تمويل استثمارات ترفع الإنتاج والصادرات، فإنها قد تدعم القدرة على الوفاء بالالتزامات الخارجية. أما إذا ظل العجز التجاري يتسع دون تحسن مماثل في الموارد الذاتية، فستستمر الحاجة إلى تدفقات مالية إضافية لتغطية الفجوة.
ولا يعني ذلك أن ارتفاع الاحتياطيات أو اللجوء إلى الاقتراض يشكلان في حد ذاتهما مؤشرا سلبيا، بل إن دلالتهما ترتبط بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل التمويلات المتاحة إلى إنتاج ومداخيل مستدامة. فالاحتياطيات تؤدي وظيفة وقائية مهمة، لكنها لا تعوض بشكل دائم الحاجة إلى صادرات قادرة على توفير موارد كافية لتغطية الواردات وخدمة الدين الخارجي.
وتتطلب معالجة هذا التحدي العمل على أكثر من مستوى، من خلال تقوية تنافسية الصناعات المغربية، وتقليص الاعتماد على بعض المنتجات المستوردة، وتوسيع قاعدة الصادرات ذات القيمة المضافة المرتفعة. كما تظل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والاستثمارات الأجنبية مصادر مهمة للعملة الصعبة، إلى جانب ضرورة توجيه التمويلات الدولية نحو مشاريع تعزز القدرة الإنتاجية للاقتصاد.
وبذلك، فإن المؤشر الحاسم لا يتمثل فقط في تراجع سعر الدولار أو الأورو مقابل الدرهم، ولا في بلوغ الاحتياطيات مستوى قياسيا، وإنما في قدرة المغرب على تقليص حاجته إلى التمويل الخارجي مع مرور الوقت. فاستقرار العملة يصبح أكثر متانة عندما يستند إلى اقتصاد قادر على توفير موارده من خلال الإنتاج والتصدير، وليس فقط إلى تدفقات مالية يمكن أن تتحول لاحقا إلى التزامات إضافية على الخزينة.








