هجر إمغري
أبطأت الارتفاعات المتواصلة في أسعار المواشي بالأسواق الأوروبية حركة استيراد الأغنام نحو المغرب، بعدما أصبح اقتناء أعداد كبيرة من القطيع أكثر كلفة بالنسبة إلى المستوردين، في وقت يترقب فيه السوق المحلي أي انفراج يمكن أن يساهم في إعادة التوازن إلى أسعار اللحوم الحمراء.
وكشفت المعطيات المتداولة داخل القطاع أن صعوبة الحصول على الأغنام بأسعار مناسبة لم تعد مرتبطة فقط بتوفر القطيع في الأسواق الخارجية، بل أصبحت مرتبطة أساسا بمستوى الأسعار الذي ارتفع بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة، وهو ما انعكس مباشرة على وتيرة دخول المواشي إلى السوق المغربية.
ويواجه المستوردون المغاربة، في هذا السياق، صعوبات متزايدة في تأمين الكميات التي يحتاجها السوق المحلي، حتى عندما يتعلق الأمر بأسواق قريبة من المغرب من الناحية الجغرافية، وفي مقدمتها السوق الإسبانية. فقد جعل ارتفاع أسعار القطيع الأوروبي عمليات الشراء أكثر تعقيدا، خصوصا بالنسبة إلى المهنيين الذين يبحثون عن هامش يسمح لهم بتغطية تكاليف النقل والإجراءات المرتبطة بالاستيراد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على أسعار يمكن أن يستوعبها المستهلك المغربي.
ويزيد استمرار الضريبة على القيمة المضافة من الضغوط التي يتحملها المستوردون، بعدما أصبحت هذه الضريبة تضيف كلفة إضافية إلى سعر الكيلوغرام الواحد من اللحوم. وتشير تقديرات مهنية إلى أن هذه الزيادة قد تصل إلى حوالي عشرة دراهم للكيلوغرام، الأمر الذي يرفع الكلفة النهائية للقطيع ويجعل عملية الاستيراد أقل جاذبية في ظل ارتفاع الأسعار الخارجية.
ويعتبر مهنيون أن معالجة هذا الوضع تتطلب تدخلا أكثر مرونة على المستوى الجبائي، خاصة أن الهدف من استيراد المواشي يرتبط أساسا بتغطية الخصاص في القطيع المحلي والمساهمة في توفير اللحوم الحمراء بأسعار أكثر استقرارا. ويرى هؤلاء أن تخفيف الأعباء الضريبية يمكن أن يمنح المستوردين قدرة أكبر على التحرك في الأسواق الدولية والبحث عن مصادر بديلة للماشية.
وفي هذا الإطار، تبرز إمكانية فتح نقاش جديد مع الحكومة المقبلة حول مستقبل استيراد المواشي، خاصة في ظل استمرار الحاجة إلى تعزيز العرض الداخلي. ويضع المهنيون إلغاء الضريبة على القيمة المضافة ضمن أبرز المطالب التي يمكن أن تساعد على تسهيل عمليات الاستيراد، معتبرين أن تخفيض كلفة دخول المواشي إلى المغرب قد ينعكس تدريجيا على أسعار اللحوم المعروضة للمستهلك.
ويرتبط الرهان، في نهاية المطاف، بإعادة أسعار اللحوم الحمراء، وعلى رأسها لحم الأغنام، إلى مستويات أكثر استقرارا، خصوصا بعد الفترة التي شهدت فيها السوق ضغوطا متتالية نتيجة تراجع القطيع وارتفاع تكاليف الإنتاج وتغيرات الأسعار في الأسواق الخارجية.
وتتزامن هذه الصعوبات مع تحركات جديدة في بعض الدول الأوروبية المصدرة للمواشي، وهو ما قد يفتح خلال الفترة المقبلة بابا إضافيا أمام تنويع مصادر الاستيراد المغربية. وتبرز رومانيا، في هذا السياق، باعتبارها من البلدان التي تسعى إلى استعادة حضورها في أسواق المواشي بعد فترة من التوقف فرضتها تداعيات مرض أصاب قطعان الأغنام والماعز.
وتعمل السلطات الرومانية على إعداد خطة تسمح باستئناف تصدير المواشي، بعد اتخاذ مجموعة من الإجراءات الصحية والبيطرية المرتبطة بمراقبة القطيع والتلقيح. كما تم التوصل إلى تفاهمات بشأن النماذج الجديدة للشهادات الصحية البيطرية المطلوبة لتصدير الأغنام والماعز إلى عدد من الأسواق، من بينها المغرب.
ويعني هذا التطور أن السوق المغربية قد تكون أمام إمكانية توسيع قائمة البلدان التي يمكن أن توفر لها حاجياتها من المواشي، خصوصا إذا استقرت الأوضاع الصحية في البلدان المصدرة وتم احترام الشروط البيطرية المطلوبة. وقد يساعد تنويع مصادر الاستيراد على تخفيف الضغط الناتج عن ارتفاع الأسعار في بعض الأسواق الأوروبية، وخلق فرص أكبر أمام المستوردين للبحث عن عروض أكثر تنافسية.
لكن استئناف الصادرات الرومانية، في حال تحققه، سيظل مرتبطا بمدى احترام الإجراءات الصحية الصارمة التي تفرضها السلطات المختصة، خاصة ما يتعلق بالمراقبة المستمرة للقطعان وبرامج التلقيح وتتبع الوضع الوبائي. وتكتسي هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، الذي يحتاج إلى ضمان سلامة المواشي المستوردة وحماية القطيع الوطني من أي أمراض يمكن أن تنتقل عبر الحدود.
وفي المقابل، يبقى عامل السعر حاضرا بقوة في تحديد مستقبل عمليات الاستيراد، إذ لا يكفي توفر المواشي في الأسواق الدولية إذا كانت الكلفة النهائية مرتفعة إلى درجة تجعل دخولها إلى السوق المغربية محدودا أو غير قادر على التأثير في الأسعار. ولذلك يركز المهنيون على ضرورة توفير شروط اقتصادية أكثر ملاءمة بالتوازي مع احترام الشروط الصحية والبيطرية.
ويعيد هذا الوضع النقاش حول مستقبل سوق اللحوم الحمراء في المغرب إلى الواجهة، خاصة أن استقرار الأسعار لا يرتبط بعامل واحد، بل يتداخل فيه حجم القطيع المحلي، وكلفة الأعلاف، ومصاريف التربية والنقل، ومستوى الطلب، إضافة إلى أسعار المواشي في الأسواق الدولية والرسوم المفروضة على عمليات الاستيراد.
وتبرز الحاجة، لذلك، إلى مقاربة متكاملة لا تقتصر على زيادة أعداد المواشي المستوردة، وإنما تشمل أيضا دعم الإنتاج المحلي وتحسين ظروف تربية القطيع وتقليص تكاليف الإنتاج، إلى جانب اعتماد إجراءات تساعد على جعل الاستيراد وسيلة لتقوية العرض وليس مجرد حل مؤقت لمواجهة ارتفاع الأسعار.
وبينما يترقب المستهلكون أي انخفاض في أسعار اللحوم، يجد المستوردون أنفسهم أمام معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع أسعار المواشي في الخارج والضرائب وتكاليف النقل والإجراءات الصحية. ويبقى نجاح أي تدخل مستقبلي مرتبطا بقدرته على تخفيف هذه الكلفة دون المساس بالسلامة الصحية، بما يسمح بضخ كميات أكبر من المواشي في السوق المغربية وخلق ضغط تنافسي يمكن أن يساهم في تهدئة أسعار اللحوم الحمراء.
وفي انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من إجراءات وتدابير، يظل استيراد الأغنام أحد المفاتيح المطروحة أمام السوق المغربية لتقوية العرض، غير أن فعاليته ستبقى رهينة بمدى القدرة على تأمين القطيع بأسعار مناسبة، وتخفيف الكلفة الجبائية، وتنويع الأسواق المصدرة، إلى جانب مواصلة دعم القطيع الوطني حتى لا تظل السوق رهينة للتقلبات الخارجية.







