ياسر الرقاص
وجهت نواكشوط رسالة شديدة اللهجة إلى طهران عبر استدعاء السفير الإيراني المعتمد لديها، هذا الإستدعاء لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل جاء كاحتجاج رسمي وصريح على انخراط الممثل الدبلوماسي في تحركات وتصرفات ميدانية وصفت بأنها “تخرج عن سكة الأعراف والتقاليد الدبلوماسية”.
ويمثل هذا التطور، الذي يتصدر المشهد السياسي اليوم، مؤشرا واضحا على نفاد صبر العواصم المغاربية والأفريقية تجاه محاولات تجاوز الخطوط الحمراء الدبلوماسية تحت غطاء التحركات غير الرسمية.
هذت الإجراء لا يمكن قراءته بعيدا عن “الشيفرة” الأوسع للتحركات الإيرانية في المنطقة. فقد كشفت المعطيات والتحليلات المتقاطعة عن استراتيجية إيرانية دقيقة تعتمد على ركوب موجة العواطف الشعبية؛ حيث تسعى طهران جاهدة لاختراق الحركات المدنية المؤيدة لفلسطين والمناهضة للتطبيع.
و يهدف هذا التسلل الناعم ليس دعم القضايا العادلة كما يروج له، بل اختطاف هذه الحركات وتحويلها إلى أذرع وظيفية لخدمة أجندات تخريبية، كما تندرج هذه المساعي ضمن خطة أوسع تهدف إلى إرباك وزعزعة استقرار الدول التي تتبنى سياسات مستقلة أو ترفض الانخراط في المحور الإيراني، وصولا إلى خلق بيئة هشة قد تسهل الانقلابات أو إسقاط الأنظمة القائمة.
ومن زاوية أخرى تبرز هذه الحادثة كحلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات التمدد، فمنذ عقود، وتحديدا عقب ثورة 1979، تحاول إيران ترسيخ نفوذها في دول غرب أفريقيا والساحل مستغلة الهشاشة الأمنية وتراجع النفوذ الغربي.
وعلى الرغم من أن طهران تغلف هذا التمدد بغطاء “القوة الناعمة” من خلال تقديم المساعدات الخيرية وإبرام الاتفاقيات الثنائية الاقتصادية والتعليمية، إلا أن التقارير الاستراتيجية طالما حذرت من الجانب المظلم لهذا النفوذ؛ والمتمثل في إذكاء التوترات الطائفية وتأسيس شبكات ولاء سياسي وأمني موازية لمؤسسات الدول المضيفة.
ويضع التحرك الموريتاني الأخير دول المنطقة أمام جرس إنذار متجدد، فهو يثبت أن حماية السيادة الوطنية لم تعد تقتصر على مراقبة الحدود الجغرافية، بل تتطلب طوقا أمنيا وسياسيا يمنع استغلال القضايا القومية والدينية النبيلة وتحويلها إلى حصان طروادة لتمرير مشاريع الهيمنة والتخريب الدبلوماسي.







