فتيحة شاطر
في ألمانيا، وبعيدًا عن الأضواء، اجتمع قادة جيوش الولايات المتحدة وإسرائيل وسبع دول عربية لبحث الحرب مع إيران، وأمن الخليج، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب.
الاجتماع دعا إليه الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، وشارك فيه رؤساء أركان جيوش إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر.
ورغم عقد لقاءات مماثلة في السابق، فإن هذا الاجتماع يُعد الأول من نوعه منذ دخول الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران قبل أكثر من ستة أشهر. كما أتاح فرصة نادرة لقادة عسكريين من إسرائيل ودول عربية لا تقيم علاقات دبلوماسية معها للجلوس إلى طاولة واحدة وتبادل الرؤى بشأن الحرب وتداعياتها على أمن المنطقة.
فهل يكشف هذا الاجتماع عن ملامح تحالف أمني جديد يتشكل في الشرق الأوسط؟ وإلى أي مدى يمكن أن يقود التنسيق العسكري المتنامي بين إسرائيل وبعض الدول العربية إلى بلورة نظام أمني إقليمي في مواجهة إيران وشبكة حلفائها ووكلائها؟
لكن السؤال الأول هو: لماذا عُقد الاجتماع الآن؟ ولماذا اختيرت ألمانيا تحديدًا لاستضافته؟
لماذا ألمانيا؟
انعقاد الاجتماع في ألمانيا لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل يحمل أكثر من دلالة سياسية واستراتيجية. فالولايات المتحدة تبدو راغبة في إشراك القوى الغربية والدول الإقليمية في حماية خطوط نقل الطاقة والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيقا هرمز وباب المندب.
وتُعد الدول الأوروبية من أكثر الأطراف احتياجًا إلى استقرار تدفقات الطاقة القادمة من الخليج والمنطقة العربية، وربما أكثر تأثرًا من الولايات المتحدة بأي اضطراب طويل في طرق الملاحة والتجارة.
لذلك، قد تكون استضافة ألمانيا للاجتماع رسالة بأن أمن الخليج والبحر الأحمر لم يعد ملفًا أمريكيًا أو عربيًا فقط، بل قضية ترتبط مباشرة بأمن الطاقة والاقتصاد الأوروبيين.
ويأتي اللقاء أيضًا بعدما أثبتت المواجهة العسكرية مع إيران صعوبة إخضاع طهران أو فرض الشروط عليها بالقوة. فقد تحولت المواجهة إلى مصدر استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي للولايات المتحدة، وأصبح استمرارها يفرض ضغوطًا متزايدة على الإدارة الأمريكية داخليًا وخارجيًا.
ومن هنا، تبدو واشنطن وكأنها تسعى إلى توزيع أعباء المواجهة، وإشراك الاتحاد الأوروبي وإسرائيل والدول الخليجية في مهمة تطويق إيران وحماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكرر أن بلاده لن تبقى شرطيًا دائمًا يتولى حل جميع مشكلات العالم، لكن السياسة الأمريكية في الانتشار العسكري لا تخضع لمبدأ ثابت. إنها تتغير وفق تطورات الميدان، وحركة الحلفاء، والضغوط الداخلية، وحسابات الإدارة الموجودة في البيت الأبيض.
من اتفاقيات أبراهام إلى التعاون العسكري
ازداد التعاون بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة منذ توقيع اتفاقيات أبراهام مع الإمارات والبحرين في شتنبر 2020. وبعد ذلك انتقلت إسرائيل من نطاق مسؤولية القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية «سنتكوم».
ولم يكن هذا التحول إداريًا فقط، بل فتح المجال أمام دمج إسرائيل بصورة أوسع في البنية الأمنية الإقليمية، ومنحها فرصة لتوسيع تعاونها العسكري مع الدول العربية، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتصدي للصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي خضم الحرب، بلغ التعاون الأمني بين إسرائيل والإمارات مستوى غير مسبوق، ما فتح النقاش حول ما إذا كان هذا التنسيق مجرد استثناء فرضته المواجهة أم بداية لتشكيل أمني جديد في الشرق الأوسط.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين، نشرت إسرائيل بطاريات من منظومة «القبة الحديدية» في الإمارات، وأرسلت معها جنودًا لتشغيلها، قبل استخدام المنظومة لاعتراض صواريخ إيرانية استهدفت الأراضي الإماراتية.
ولم يقتصر التعاون على الدفاع الجوي، بل شمل تكثيف تبادل المعلومات الاستخباراتية، وزيارات مسؤولين أمنيين إسرائيليين إلى الإمارات، وتقارير تحدثت عن تنسيق عسكري وعمليات إماراتية ضد أهداف إيرانية، وإن ظلت تفاصيل هذا التعاون محاطة بسرية شديدة.
والسؤال هنا لم يعد متعلقًا بوجود التعاون من عدمه، بل بطبيعته ومستقبله: هل يتوقف بانتهاء الحرب، أم يتحول إلى قاعدة دائمة لمنظومة دفاع إقليمية تقودها واشنطن وتكون إسرائيل ذراعها العسكرية والاستخباراتية الأكثر تأثيرًا؟
هل تمتد المظلة الإسرائيلية إلى السعودية؟
قد لا يبقى التعاون الأمني بين إسرائيل ودول الخليج محصورًا في الإمارات والبحرين، بل يمكن أن يمتد إلى تقديم دعم إسرائيلي للسعودية في مواجهة الحوثيين باليمن.
فالرياض حاولت سابقًا إبقاء مسافة بينها وبين أي تعاون أمني معلن مع إسرائيل، لكن التحولات الميدانية بالقرب من باب المندب قد تدفعها إلى إعادة النظر في هذه الاستراتيجية.
ربما اعتقدت السعودية في البداية أن تأثير إغلاق مضيق هرمز عليها سيكون محدودًا، بسبب امتلاكها خطوطًا لنقل النفط إلى البحر الأحمر وميناء ينبع. غير أن انتقال التهديد إلى باب المندب يعني أن الطريق البديل نفسه أصبح معرضًا للخطر.
كما أن أي تغير ميداني على الساحل الغربي لليمن، سواء بتوسع سيطرة الحوثيين أو تقلصها، ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن القومي السعودي وعلى قدرة المملكة على تصدير النفط وحماية حدودها وممراتها البحرية.
هذه التطورات قد تدفع الرياض إلى الاقتراب أكثر من صيغة أمنية تشارك فيها إسرائيل، لكن من المرجح أن تحرص السعودية على عدم الظهور في صورة من يتلقى دعمًا عسكريًا إسرائيليًا مباشرًا في مواجهة الحوثيين.
ولهذا، قد يبدأ التعاون في المناطق الأقل ظهورًا والأكثر حساسية، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتحديد مواقع إطلاق الصواريخ والمسيّرات، والإنذار المبكر، ومراقبة التحركات العسكرية والبحرية.
أما الانتقال إلى تعاون عسكري معلن، فسيضع السعودية أمام كلفة سياسية ومعنوية كبيرة، لأنه سيُظهر المملكة بمظهر العاجز عن حماية أمنه من دون مساعدة إسرائيل، وسيمنح الحوثيين مادة سياسية وإعلامية يمكن استخدامها لتقديم المواجهة باعتبارها حربًا مباشرة مع تحالف سعودي إسرائيلي.
المعضلة الفلسطينية
يمكن للمصالح الأمنية أن تدفع أطرافًا متباعدة سياسيًا إلى مستويات متقدمة من التنسيق، لكنها لا تستطيع دائمًا إلغاء الحسابات الدبلوماسية والشعبية.
وتتضح هذه المعضلة بصورة خاصة في حالة السعودية، التي تربط موقفها الرسمي من التطبيع بإيجاد حل للقضية الفلسطينية. فالرياض تستطيع توسيع تعاونها الأمني غير المعلن مع إسرائيل، لكنها ستجد صعوبة في الانتقال إلى اندماج رسمي ومباشر قبل ظهور أفق سياسي يتعلق بالفلسطينيين.
السعودية دولة مركزية في العالمين العربي والإسلامي، كما تمثل الثقل الأكبر داخل مجلس التعاون الخليجي. ولذلك لن يكون من السهل عليها التخلي علنًا عن موقف ظل يربط التطبيع بحل القضية الفلسطينية، حتى إذا كانت دوائر القرار ترغب في بناء علاقة أوسع مع إسرائيل.
وهنا قد تعتمد الرياض سياسة الموازنة: تعاون أمني واستخباراتي بعيدًا عن الأضواء، مع استمرار التمسك علنًا بشرط التسوية الفلسطينية قبل التطبيع الكامل.
وقد نجحت السعودية سابقًا في البقاء خارج اتفاقيات أبراهام، رغم انضمام الإمارات والبحرين إليها، وحافظت على مسافة سياسية تسمح لها بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب من دون تحمل تكلفة الاعتراف الرسمي.
لكن استمرار الحرب، واتساع التهديد الإيراني، وتصاعد خطر الحوثيين في باب المندب، قد يجعل الحفاظ على هذه المسافة أكثر صعوبة.
القواعد الأمريكية تحت مرمى إيران
يأتي اجتماع ألمانيا في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إعادة النظر في الانتشار العسكري الأمريكي بالخليج والشرق الأوسط، خصوصًا بعدما تعرضت قواعد وسفن أمريكية لهجمات إيرانية متكررة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وخسائر مادية.
وتكمن المشكلة الأساسية في الجغرافيا، إذ تتمركز القوات الأمريكية داخل قواعد قريبة جدًا من إيران، ما يجعل آلاف الجنود والمنشآت العسكرية عرضة للاستهداف المباشر في أي مواجهة واسعة.
وتبرز في هذا السياق أربع قواعد رئيسية تشكل العمود الفقري للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
أولها قاعدة العُديد الجوية في قطر، وهي أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، وتضم نحو عشرة آلاف عسكري، وتبعد قرابة 274 كيلومترًا عن إيران.
وثانيها قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، وهي مركز رئيسي للعمليات الجوية والاستطلاع، ويخدم فيها نحو خمسة آلاف عسكري أمريكي، وتقع على مسافة تتراوح بين 200 و250 كيلومترًا من إيران.
أما القاعدة الثالثة فهي مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، الذي يدير العمليات البحرية في الخليج والبحر الأحمر، ويبعد نحو 206 كيلومترات عن السواحل الإيرانية.
وتتمثل القاعدة الرابعة في معسكر عريفجان بالكويت، وهو مركز لوجستي رئيسي للجيش الأمريكي، ويقع ضمن نطاق الصواريخ الإيرانية.
هذه القواعد تمنح واشنطن قدرة كبيرة وسريعة على التحرك، لكنها تضع في الوقت نفسه قواتها داخل دائرة النار الإيرانية. فما يمنح الولايات المتحدة قوة الردع يجعلها أيضًا عرضة للاستنزاف.
وقد طمأن الأدميرال براد كوبر المشاركين في اجتماع ألمانيا إلى أن الولايات المتحدة لا تعتزم سحب قواتها من المنطقة. لكن هذه الطمأنات لا تلغي احتمالات إعادة الانتشار أو تقليص الوجود الأمريكي على المدى البعيد.
فالقرارات الأمريكية المتعلقة بسحب القوات لا تُبنى على الاعتبارات العسكرية وحدها، بل تخضع لخيارات الإدارة والضغوط الداخلية وتبدل موازين القوى. وما حدث في أفغانستان أثبت أن واشنطن قد تنسحب بسرعة وبصورة تفاجئ حتى أقرب حلفائها.
كما لا يمكن اعتبار مواقف ترامب ثابتة ونهائية؛ فقد يغير قراره إذا تبدلت المعطيات أو ارتفعت تكلفة الانتشار العسكري والسياسي.
إسرائيل بديلًا عن الانسحاب الأمريكي؟
حتى إذا لم تنسحب القوات الأمريكية من الخليج، يبدو أن واشنطن تفكر في صيغة تخفف عنها أعباء الحماية المباشرة، عبر منح الدول الغربية والإقليمية وإسرائيل دورًا أكبر في أمن الخليج ومواجهة إيران.
وهنا تبرز إسرائيل بوصفها المرشح الأهم لقيادة الجانب العسكري والاستخباراتي في أي منظومة أمنية جديدة. فهي تمتلك أنظمة دفاع جوي متطورة، وقدرات استخباراتية، وخبرة في مواجهة الصواريخ والمسيّرات، إضافة إلى علاقات عسكرية متنامية مع الإمارات والبحرين وقنوات اتصال مع دول عربية أخرى.
لكن منح إسرائيل هذا الدور لا يعني مجرد تعاون تقني محدود، بل قد يؤدي إلى إعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي بالكامل. فبدل أن تبقى إسرائيل طرفًا خارج المنظومة العربية، تصبح جزءًا أساسيًا منها تحت المظلة الأمريكية، وتتحول إيران إلى العدو الذي يجمع أطرافًا فرقتها القضية الفلسطينية لعقود.
وقد يكون اجتماع ألمانيا خطوة في اتجاه بناء شبكة إقليمية مشتركة للإنذار المبكر والدفاع الجوي والبحري وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وقد يتحول التنسيق المؤقت الذي فرضته الحرب إلى بنية دائمة تستمر حتى بعد توقف المواجهة.
لكن هذا المسار يطرح سؤالًا أكبر: هل تتجه المنطقة إلى بناء أمنها الجماعي، أم إلى دخول مرحلة جديدة تستبدل الحماية الأمريكية المباشرة بهيمنة أمنية إسرائيلية تحت إشراف واشنطن؟
الاجتماع السري الذي جمع قادة جيوش الولايات المتحدة وإسرائيل وسبع دول عربية في ألمانيا قد يكون أكثر من لقاء عسكري فرضته ظروف الحرب. فهو يعكس تقاطعًا متزايدًا في المصالح بين أطراف ظلت متباعدة سياسيًا، ويكشف عن ترتيبات أمنية يجري إعدادها بعيدًا عن الرأي العام.
وإذا كانت إيران قد دفعت إسرائيل ودولًا عربية إلى الجلوس حول طاولة عسكرية واحدة، فإن باب المندب ومضيق هرمز قد يحولان هذا الاجتماع من ترتيب مؤقت إلى نواة لتحالف إقليمي جديد.
ليبقى السؤال: هل شهدت ألمانيا الخطوة الأولى نحو تأسيس منظومة أمنية عربية إسرائيلية تقودها الولايات المتحدة لمواجهة إيران، أم أن ما جرى ليس سوى اجتماع طارئ فرضته الحرب، وسينتهي بانتهاء أسبابها؟








