هجر إمغري
يستعد جمهور الرباط لاستقبال واحدة من التجارب الموسيقية اللافتة، بعدما اختار عازف البوق والملحن الفرنسي اللبناني إبراهيم معلوف أن يحط رحاله بالمسرح الملكي يوم 22 شتنبر الجاري، لإحياء أمسية موسيقية تنطلق في تمام الساعة الثامنة والنصف مساء، ويقدم خلالها مشروعه الفني «أبواق مايكل أنجلو»، في موعد ينتظر أن يفتح فضاء المسرح على مزيج موسيقي تتقاطع داخله إيقاعات الجاز مع المقامات الشرقية وروح التجريب المعاصر.
ويحمل حضور إبراهيم معلوف في الرباط أكثر من مجرد موعد فني عابر، بالنظر إلى المسار الذي راكمه الفنان خلال سنوات طويلة من الاشتغال على الموسيقى، حيث استطاع أن يجعل من البوق وسيلة للحوار بين عوالم موسيقية وثقافية مختلفة، مستفيدا من تكوينه الكلاسيكي وصلته العميقة بالموسيقى الشرقية، قبل أن يطور لاحقا أسلوبا خاصا جعله حاضرا في عدد كبير من المحافل الفنية الدولية.
ويصل معلوف إلى العاصمة المغربية محملا بتجربة ولدت من التعدد الثقافي، فقد رأى النور في بيروت وسط عائلة ارتبط اسمها بالموسيقى، ثم انتقل منذ طفولته إلى فرنسا، حيث تلقى تكوينا موسيقيا كلاسيكيا صارما، لكنه حافظ في الوقت نفسه على علاقته بالإرث الموسيقي الشرقي، وهو الإرث الذي لم يبق بالنسبة إليه مجرد خلفية ثقافية، بل تحول إلى عنصر أساسي في بناء لغته الفنية وتشكيل شخصيته الموسيقية.
واستثمر الفنان هذا التداخل الثقافي في صياغة تجربة لا تستقر طويلا داخل حدود نمط موسيقي واحد، إذ تنقل بين الجاز والموسيقى الكلاسيكية والموسيقى الشرقية والبوب والروك، كما خاض تجارب في مجال الموسيقى التصويرية والسينمائية، وشارك في عروض حية ومشاريع موسيقية مختلفة، وهو ما منحه قدرة على الانتقال بين أساليب متعددة دون التخلي عن البصمة التي أصبحت مرتبطة باسمه.
وفي هذا السياق، يكتسي البوق مكانة مركزية في مسيرة إبراهيم معلوف، ليس باعتباره مجرد آلة موسيقية، وإنما باعتباره جزءا من قصة عائلية وفنية تعود إلى والده عازف البوق نسيم معلوف، الذي صمم البوق ذي الصمامات الأربعة، وهي آلة أتاحت إمكانية أداء النغمات الربعية الموجودة في الموسيقى العربية، وفتحت أمام ابنه مجالا أوسع للبحث في إمكانات الجمع بين التقنية الغربية والتقاليد الموسيقية الشرقية.
ويمنح هذا الابتكار معلوف مساحة للتعامل مع الموسيقى الشرقية من زاوية مختلفة، إذ لا يقدمها باعتبارها عنصرا منفصلا عن الموسيقى الغربية، بل يدخلها في حوار مستمر مع الجاز والارتجال والتوزيع الموسيقي الحديث. ومن هنا تحديدا تشكلت واحدة من أبرز سمات تجربته، القائمة على تجاوز الفواصل التقليدية بين المدارس والأنماط، والبحث عن مساحات مشتركة يمكن أن تلتقي فيها أصوات موسيقية تنتمي إلى بيئات مختلفة.
ويأتي مشروع «أبواق مايكل أنجلو» ليعكس جانبا مهما من هذه الرؤية، من خلال استحضار فكرة انتقال التأثيرات بين الثقافات، والاشتغال على العلاقة التي تنشأ عندما تلتقي تقاليد موسيقية مختلفة داخل عمل واحد. كما يتيح المشروع مجالا واسعا للارتجال والعزف الجماعي، بما يجعل الأداء الحي جزءا أساسيا من التجربة، ويمنح الموسيقيين والجمهور فرصة للتفاعل مع الموسيقى بوصفها حالة متحركة وليست مجرد قالب ثابت.
ويترقب جمهور الرباط بذلك أمسية تتجاوز فكرة الاستماع إلى مقطوعات موسيقية جاهزة، لتقدم تجربة تعتمد على التفاعل بين الآلات والإيقاعات والمساحات الصوتية المختلفة. فمشروع معلوف يقوم في جانب كبير منه على منح الموسيقى قدرة أكبر على التواصل، وعلى تحويل الاختلاف بين المرجعيات الفنية إلى عنصر للإبداع بدل أن يكون حاجزا أمامه.
ويكتسب اختيار الرباط لاستضافة هذا الحفل دلالة خاصة بالنسبة إلى الجمهور المغربي، الذي يجد نفسه أمام تجربة فنية ترتبط بشكل مباشر بفكرة التلاقي بين الشرق والغرب، وهي فكرة تحمل حضورا قويا في المشهد الثقافي المغربي بالنظر إلى تعدد روافده الموسيقية وانفتاحه على تجارب فنية قادمة من مختلف أنحاء العالم.
ويشكل المسرح الملكي بالرباط بدوره فضاء مناسبا لهذا الموعد، باعتباره منصة تستقبل العروض الفنية وتمنح الجمهور فرصة للتعرف على تجارب موسيقية متنوعة. ومن المنتظر أن يساهم الحفل في خلق لحظة لقاء بين الجمهور المغربي وفنان استطاع أن يحول تجربته الشخصية بين بيروت وفرنسا إلى مشروع موسيقي عابر للحدود.
ويواصل إبراهيم معلوف من خلال هذه المحطة المغربية مسارا فنيا امتد إلى عدد من المسارح الدولية، كما ارتبط بتعاونات مع فنانين من مشارب موسيقية مختلفة، وحقق حضورا عالميا توج بترشيحه مرتين لجوائز «غرامي»، في اعتراف يعكس اتساع دائرة الاهتمام بتجربته وباللغة الموسيقية التي طورها على مدى سنوات.
ويمنح موعد 22 شتنبر الجمهور الرباطي إذن فرصة للاكتشاف المباشر لعالم إبراهيم معلوف الموسيقي، والاستماع إلى مشروع «أبواق مايكل أنجلو» في فضاء حي يقوم فيه العازف على استثمار إمكانات البوق والارتجال والتفاعل الجماعي. كما ينتظر أن تكون الأمسية مناسبة للوقوف على كيفية تحويل الموروث الموسيقي الشرقي إلى مادة قابلة للحوار مع الجاز والموسيقى المعاصرة.
وتتجه هذه التجربة في النهاية نحو تقديم الموسيقى باعتبارها لغة قادرة على تجاوز الحدود، حيث يلتقي فيها ما هو شرقي بما هو غربي، ويتقاطع فيها التكوين الكلاسيكي مع روح الجاز، فيما يتحول البوق إلى أداة تعبر عن ذاكرة ثقافية وفنية متعددة الروافد.
ويحضر إبراهيم معلوف في الرباط، بهذا المعنى، ليس فقط كعازف بوق وملحن صاحب مسار دولي، وإنما كفنان اختار أن يجعل من الاختلاف الموسيقي نقطة انطلاق نحو الإبداع، وأن يمنح جمهوره تجربة تستند إلى المزج والتفاعل والبحث المستمر عن أصوات جديدة. وبين خشبة المسرح الملكي وأجواء العاصمة المغربية، سيكون الموعد يوم 22 شتنبر مع ليلة موسيقية تضع الجاز والموسيقى الشرقية والإبداع المعاصر في مساحة واحدة، وتفتح للجمهور بابا جديدا للتعرف على واحدة من التجارب الموسيقية التي صنعت لنفسها حضورا خاصا على الساحة الدولية.







