إعلان
980×90
مساحة إعلانية
صحة

الذكاء الاصطناعي يرصد عودة سرطان الثدي قبل سنوات

19:30 · 18/09/2026

هجر إمغري

كشف تطور جديد في مجال مكافحة سرطان الثدي عن إمكانية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لرصد احتمالات عودة المرض قبل سنوات من حدوثها، في خطوة قد تمنح الأطباء والمرضى قدرة أكبر على فهم المخاطر التي قد تستمر حتى بعد انتهاء رحلة العلاج. ويعتمد هذا التطور على تحليل مجموعة واسعة من المعطيات الطبية، بدل الاكتفاء بمؤشر واحد لتقدير احتمال الانتكاس.

ويفتح هذا التقدم العلمي الباب أمام مرحلة جديدة في التعامل مع سرطان الثدي، خصوصا بالنسبة للنساء اللواتي يتجاوزن مرحلة العلاج الأولي ويبدأن حياة ما بعد التعافي وسط تساؤلات مستمرة حول إمكانية عودة المرض. فاختفاء الورم بعد الجراحة أو العلاج لا يعني دائما انتهاء الخطر بشكل كامل، إذ يمكن لبعض الأنواع أن تعود بعد سنوات طويلة، وهو ما يجعل المتابعة الطبية وتقييم المخاطر على المدى البعيد جزءا أساسيا من رحلة التعافي.

وأظهر اختبار يعتمد على الذكاء الاصطناعي قدرة أكبر على التمييز بين مستويات خطر الانتكاس مقارنة باختبار جيني شائع يستخدم في تقييم بعض حالات سرطان الثدي. وبرز الفرق بشكل خاص عند محاولة تحديد النساء الأكثر عرضة لعودة المرض بعد مرور أكثر من خمس سنوات على التشخيص، وهي فترة تكتسب أهمية كبيرة في الحالات المرتبطة بمستقبلات الهرمونات.

وركز التطوير الجديد على نوع من سرطان الثدي يعرف بالسرطان الإيجابي لمستقبلات الهرمونات والسلبي لمستقبل HER2، وهو من أكثر الأنواع انتشارا بين حالات سرطان الثدي. ويتميز هذا النوع بإمكانية استمرار خطر الانتكاس لفترة طويلة، إذ قد تظهر الخلايا السرطانية مجددا بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة من العلاج الأولي، وفي بعض الحالات بعد فترة أطول من ذلك.

واعتمد النموذج الجديد على قراءة صور رقمية لأنسجة الأورام إلى جانب مجموعة من المعلومات السريرية والجزيئية المرتبطة بالمريضة والورم. وشملت هذه المعطيات عمر المريضة، وحجم الورم، ودرجته، إضافة إلى معلومات مرتبطة بمجموعة من 42 جينا، الأمر الذي سمح للنظام ببناء صورة أكثر شمولية عن طبيعة المرض واحتمالات تطوره مستقبلا.

واستند تطوير النموذج إلى بيانات آلاف المرضى الذين تمت متابعتهم لفترة طويلة تجاوزت 11 عاما، وهو ما أتاح للباحثين مقارنة توقعات النموذج مع ما حدث فعليا للمرضى خلال سنوات المتابعة. واستخدمت بيانات 2808 مرضى في مرحلة تطوير النموذج، قبل أن يخضع لاختبار مستقل على مجموعة أخرى ضمت 1621 مريضا، بهدف قياس مدى قدرته على تقديم نتائج قابلة للتكرار خارج مجموعة التطوير الأولى.

وقسم الباحثون حالات عودة سرطان الثدي إلى فئتين أساسيتين، تتعلق الأولى بالانتكاس الذي يحدث خلال السنوات الخمس الأولى، بينما ترتبط الثانية بالانتكاس المتأخر الذي يظهر بعد مرور أكثر من خمس سنوات. ويكتسب هذا التقسيم أهمية عملية، لأن عوامل الخطر التي تتحكم في العودة المبكرة للمرض قد لا تكون هي نفسها التي تساعد على فهم احتمالات عودته بعد سنوات طويلة.

وأظهرت النتائج أن النموذج القائم على الذكاء الاصطناعي حقق مؤشرا بلغ 0.735 عند التنبؤ بالانتكاس البعيد بشكل عام، مقابل 0.578 للاختبار الجيني التقليدي المؤلف من 21 جينا. كما سجل النموذج 0.791 في توقع الانتكاس خلال السنوات الخمس الأولى، مقارنة بـ0.722 للاختبار الجيني، بينما ظهر الفارق بصورة أوضح عند تقييم الانتكاس المتأخر، حيث بلغ المؤشر 0.710 مقابل 0.514 للاختبار الجيني.

وتعني هذه الأرقام أن النموذج استطاع التمييز بصورة أفضل بين المرضى الذين يختلف لديهم مستوى خطر عودة المرض، خصوصا خلال الفترة التي قد تبدو فيها الحالة مستقرة بعد سنوات من العلاج. ولا يقتصر الأمر على إعطاء تقدير عام للخطر، بل أتاح النموذج أيضا اكتشاف اختلافات بين مرضى حصلوا على درجات متقاربة في الاختبار الجيني التقليدي.

ويكشف ذلك عن قيمة المعلومات التي يمكن أن تضيفها تقنيات الذكاء الاصطناعي عند جمع مصادر متعددة للبيانات الطبية في عملية تحليل واحدة. فصورة النسيج قد تحمل تفاصيل مرتبطة ببنية الورم لا تظهر في الاختبارات الجينية وحدها، بينما يمكن للمعلومات السريرية أن تضيف عناصر أخرى مرتبطة بعمر المريضة وحجم الورم وخصائصه، وهو ما يسمح بتكوين قراءة أكثر تكاملا للحالة.

ويأتي هذا التطور في وقت يحاول فيه الطب الانتقال تدريجيا من التعامل مع المرض بعد ظهوره إلى توقع مساره ومراقبة احتمالات تطوره في مراحل مبكرة. وفي حالة سرطان الثدي، تبدو هذه المقاربة ذات أهمية خاصة بسبب قدرة بعض الأورام على البقاء في حالة كامنة ثم الظهور من جديد بعد سنوات من انتهاء العلاج.

ويؤكد ذلك أهمية استمرار المتابعة الطبية حتى بعد تجاوز المرحلة الأولى من العلاج، خصوصا بالنسبة للحالات التي ترتبط بعوامل يمكن أن تزيد احتمالات الانتكاس على المدى الطويل. كما قد تساعد أدوات أكثر دقة في المستقبل على تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة أكثر كثافة، مع مراعاة أن القرار الطبي لا يعتمد على اختبار واحد، بل يستند إلى مجموعة متكاملة من المعطيات.

ومع ذلك، لا يعني تفوق النموذج في القدرة على التنبؤ أن الذكاء الاصطناعي أصبح بديلا جاهزا للاختبارات الجينية أو للطبيب. فالنتائج الحالية تثبت قدرة تقنية على تقدير خطر الانتكاس، لكنها لا تثبت بعد أن الاعتماد عليها في اختيار العلاج سيؤدي بالضرورة إلى تحسين النتائج الصحية للمرضى.

ويحتاج النموذج، لذلك، إلى مزيد من الاختبارات والدراسات على مجموعات مختلفة من المرضى، إضافة إلى تقييم مدى إمكانية إدماجه في الممارسة الطبية اليومية. كما يتعين التأكد من قدرته على الحفاظ على دقته عند التعامل مع اختلاف الأعمار والخصائص السريرية والبيئات العلاجية، قبل الانتقال من مرحلة البحث إلى الاستخدام الواسع.

ويمنح هذا التطور في المقابل أملا جديدا في تحسين طريقة التعامل مع سرطان الثدي، لأن معرفة الخطر في وقت مبكر قد تساعد على بناء خطط متابعة أكثر ملاءمة لكل حالة. وبينما لا تزال التقنية بحاجة إلى مراحل إضافية من التحقق، فإن قدرتها على قراءة تفاصيل متعددة في الورم وربطها بالمعطيات الطبية تبرز اتجاها متناميا نحو استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم المرض بصورة أعمق.

ويظل الهدف النهائي من هذه التقنيات هو جعل رحلة التعافي أكثر أمانا، عبر الانتقال من انتظار عودة المرض إلى محاولة فهم احتمالات حدوثها قبل وقت طويل. ومع استمرار الأبحاث، قد يصبح الذكاء الاصطناعي مستقبلا إحدى الأدوات التي تساعد الأطباء على قراءة المخاطر الخفية لسرطان الثدي ومتابعة المريضات لفترات أطول بدقة أكبر.