هجر إمغري
يدخل سمك البرازيل مرحلة جديدة من التوسع الخارجي، بعدما برز المغرب كوجهة استراتيجية يمكن أن تمنح المنتجات البحرية البرازيلية منفذا جديدا نحو أسواق واسعة، في وقت تسعى فيه برازيليا إلى تنويع وجهات صادراتها وتعزيز حضور قطاع الصيد البحري وتربية الأحياء المائية خارج حدودها.
ويأتي هذا التوجه في سياق حركية متزايدة تشهدها العلاقات الاقتصادية بين المغرب والبرازيل، حيث بات قطاع المنتجات البحرية واحدا من المجالات التي يمكن أن تفتح الباب أمام تعاون أوسع بين البلدين، سواء من خلال التجارة المباشرة أو عبر إقامة شراكات بين الشركات والاستثمار في سلاسل الإنتاج والتوزيع والتسويق.
وتراهن البرازيل، في هذا الإطار، على ما يتيحه السوق المغربي من إمكانات مرتبطة بموقع المملكة وقدراتها اللوجستية وخبرتها المتراكمة في المجال البحري، خصوصا أن المغرب لا يمثل فقط سوقا للاستهلاك، بل يمكن أن يشكل نقطة عبور نحو عدد من الأسواق الإفريقية والأوروبية، مستفيدا من بنيته المينائية وشبكات النقل والتبادل التجاري التي تربطه بمحيطه الإقليمي والدولي.
وتبرز أسماك البلطي، المعروفة باسم التيلابيا، في مقدمة المنتجات التي تراهن عليها البرازيل لتوسيع حضورها في الأسواق الخارجية، بالنظر إلى الوزن الذي يحتله هذا النوع داخل قطاع تربية الأسماك في البلاد. وتشكل التيلابيا حوالي 70 في المائة من تربية الأسماك في البرازيل، ما يعكس أهمية هذا النوع بالنسبة إلى الإنتاج السمكي البرازيلي وقدرته على التحول إلى منتج تصديري أكثر حضورا خلال المرحلة المقبلة.
ويكشف هذا المعطى في الوقت نفسه عن مفارقة لافتة في القطاع البرازيلي، إذ إن الإنتاج الكبير من التيلابيا لا يوازيه حضور مماثل في الأسواق الخارجية، وهو ما يدفع الفاعلين البرازيليين إلى البحث عن وجهات جديدة يمكن أن تستوعب جزءا أكبر من الإنتاج وتمنح المنتجين فرصا إضافية للنمو.
ومن هنا يبرز المغرب كإحدى الوجهات التي يمكن أن تستفيد منها البرازيل في هذا المسار، خاصة أن المملكة راكمت خلال السنوات الماضية تجربة مهمة في قطاع الصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية، إلى جانب توفرها على صناعة تحويلية مرتبطة بالقطاع وبنية تحتية مينائية تجعلها قادرة على استقبال وتوزيع المنتجات القادمة من الأسواق الدولية.
ويعني ذلك أن الاهتمام البرازيلي بالمغرب لا يرتبط فقط بإمكانية بيع الأسماك داخل السوق الوطنية، وإنما يتجاوز ذلك إلى تصور أوسع يقوم على بناء منظومة تعاون يمكن أن تمتد إلى أسواق أخرى. فالموقع الجغرافي للمملكة، القريب من أوروبا والمنفتح على العمق الإفريقي، يمنحها قدرة على لعب دور حلقة وصل تجارية أمام المنتجات البرازيلية الراغبة في الوصول إلى مستهلكين جدد.
وفي المقابل، يمكن لهذا الانفتاح أن يمنح الفاعلين المغاربة فرصا جديدة للدخول في شراكات مع الشركات البرازيلية، سواء في مجال استيراد المنتجات البحرية أو في عمليات التصنيع والتحويل والتوزيع، فضلا عن إمكانات التعاون في مجالات التكنولوجيا والخبرة والتكوين وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالصيد وتربية الأحياء المائية.
كما يطرح التقارب بين البلدين إمكانات للتعاون في مجالات تقنية وتنظيمية أصبحت أكثر أهمية في التجارة الدولية للمنتجات الغذائية، وفي مقدمتها أنظمة التتبع والمطابقة الصحية والتصديق وضمان جودة المنتجات. وهي عناصر تكتسب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتجات بحرية موجهة إلى أسواق متعددة تخضع لمعايير صحية وتجارية دقيقة.
وبذلك، لا يبدو أن الرهان يقتصر على وصول شحنات من سمك البرازيل إلى السوق المغربية، بل يتجه نحو بناء قنوات تجارية أكثر استدامة يمكن أن تربط المنتجين البرازيليين بالفاعلين المغاربة، وتسمح بتطوير علاقات اقتصادية تتجاوز عمليات البيع والشراء التقليدية.
ويأتي هذا الطموح في وقت أصبح فيه قطاع الصيد البحري وتربية الأحياء المائية جزءا مهما من النقاش العالمي حول الأمن الغذائي وتنويع مصادر البروتين وتطوير أنظمة إنتاج قادرة على تلبية الطلب المتزايد على المنتجات البحرية. وفي هذا السياق، تمنح تربية الأسماك، ومن ضمنها التيلابيا، البرازيل فرصة لتعزيز إنتاجها بعيدا عن الضغط الذي يمكن أن يرافق الاعتماد الكامل على الصيد التقليدي.
وتفتح هذه المعطيات الباب أيضا أمام استثمارات جديدة يمكن أن تجمع بين رؤوس الأموال والخبرات من البلدين، خصوصا في مجالات التخزين والتبريد والتحويل والتغليف والتوزيع. كما يمكن أن تمتد الشراكات المحتملة إلى تطوير منتجات بحرية ذات قيمة مضافة، بدل الاقتصار على تصدير الأسماك في شكلها الأولي.
ويشكل القطاع الخاص، في هذا المسار، عنصرا حاسما في تحويل الرغبة في التعاون إلى مشاريع فعلية، لأن توسيع المبادلات التجارية يحتاج إلى شركات قادرة على الاستثمار وبناء شبكات توزيع وإيجاد حلول لوجستية تتلاءم مع طبيعة المنتجات البحرية والأسواق المستهدفة.
وفي الوقت نفسه، يظل نجاح هذا التوجه مرتبطا بقدرة الفاعلين على بناء ثقة متبادلة وتطوير آليات واضحة للتعاون، خاصة في ما يتعلق بالجودة والمطابقة الصحية وشروط الاستيراد والتصدير. كما أن معرفة خصوصيات المستهلك المغربي والإفريقي والأوروبي ستكون عاملا مهما في تحديد نوعية المنتجات التي يمكن أن تحقق حضورا فعليا في الأسواق.
ومع اتساع الاهتمام البرازيلي بالمغرب، يمكن أن يتحول قطاع الأسماك إلى مجال إضافي لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين الرباط وبرازيليا، خصوصا إذا انتقلت المبادرات من مستوى اللقاءات والندوات إلى اتفاقات تجارية واستثمارات وشراكات طويلة الأمد.
وهكذا، يبدو أن رحلة سمك البرازيل نحو المغرب تحمل في خلفيتها رهانا أكبر من مجرد فتح سوق جديدة، إذ تتعلق بمحاولة بناء جسر تجاري يربط القدرات الإنتاجية البرازيلية بالخبرة والبنية التحتية المغربية، مع إمكانية الوصول من خلال المملكة إلى فضاءات استهلاكية أوسع في إفريقيا وأوروبا.
ويبقى التحدي خلال المرحلة المقبلة في قدرة الطرفين على تحويل هذه الإمكانات إلى حركة تجارية ملموسة، تجعل من المنتجات البحرية البرازيلية جزءا من المبادلات مع المغرب، وتمنح الشركات من البلدين فرصة لاكتشاف مجالات جديدة للتعاون والاستثمار في قطاع تتزايد أهميته داخل الاقتصاد العالمي.







