إعلان
980×90
مساحة إعلانية
سياسة

المغرب يدعو لإعادة رسم مستقبل عمليات السلام في إفريقيا

08:20 · 19/09/2026

هجر إمغري

دعا المغرب إلى إعادة التفكير في مستقبل عمليات دعم السلام في القارة الإفريقية، في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها طبيعة النزاعات وتنامي التحديات الأمنية، مؤكدا أن المرحلة الراهنة تحتاج إلى مقاربات جديدة تتجاوز النماذج التقليدية وتستجيب لتعقيدات الواقع الميداني.

وجاء هذا الموقف خلال مشاركة المغرب في الشق الوزاري من الدورة العادية الثامنة عشرة للجنة التقنية المتخصصة للاتحاد الإفريقي المعنية بالدفاع والسلامة والأمن، المنعقدة في بوجومبورا، حيث شدد الوفد المغربي على أن التغيرات التي طرأت على طبيعة التهديدات والنزاعات داخل القارة باتت تفرض تطوير آليات أكثر مرونة وفعالية في مجال دعم السلام.

وأوضح المغرب أن التحولات الأمنية التي تشهدها إفريقيا لم تعد تسمح بالاكتفاء بالأساليب التقليدية في تدبير الأزمات وحفظ السلام، خاصة مع ظهور تهديدات جديدة ومتداخلة تتجاوز الأبعاد العسكرية المباشرة، لتشمل الجوانب الإنسانية والمؤسساتية والرقمية والنفسية.

وفي هذا السياق، طرح الوفد المغربي الحاجة إلى إطلاق نقاش إفريقي جماعي حول مستقبل عمليات دعم السلام، بما يسمح بتعزيز قدرتها على التكيف مع المتغيرات، ورفع فعاليتها في الميدان، وتحسين جاهزيتها للتعامل مع الأزمات التي تعرفها مناطق مختلفة من القارة.

ويأتي هذا الطرح في وقت تواجه فيه القارة الإفريقية تحديات أمنية متعددة، تجعل من تعزيز القدرات الوطنية والإقليمية أولوية متزايدة، خصوصا في ما يتعلق بالوقاية من الأزمات، والتدخل في الوقت المناسب، وتنسيق الجهود بين مختلف المؤسسات والآليات المعنية بالأمن والسلام.

وانطلاقا من هذا التوجه، أكد المغرب استمرار انخراطه في دعم شركائه الأفارقة والمؤسسات التابعة للاتحاد الإفريقي، من خلال العمل على تطوير قدرات تستجيب للمتطلبات الجديدة لعمليات دعم السلام، وذلك عبر مقاربة تقوم على التكوين وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب الميدانية.

كما يركز التعاون المغربي على عدد من المجالات التي تعد أساسية لنجاح العمليات الأمنية وحفظ السلام، من بينها التخطيط العملياتي، وتدبير الأزمات، والدعم اللوجستي، إلى جانب تقوية القدرات المؤسساتية للآليات الإفريقية المكلفة بالسلام والأمن.

ولا يقتصر هذا الانخراط على المستوى القاري، بل يمتد كذلك إلى التعاون الثنائي مع عدد من الدول الإفريقية، من خلال اتفاقات للتعاون العسكري والتقني تهدف إلى تبادل الخبرات وتعزيز القدرات، بما يساعد البلدان الشريكة على تطوير إمكاناتها في مجالات الوقاية من الأزمات وإدارتها والاستجابة لها.

وفي هذا الإطار، يساهم المغرب في المواكبة التقنية والمشاركة في عمليات السلام، إلى جانب تقاسم الخبرة العملية، بما يعزز جاهزية القوات والمؤسسات المعنية ويقوي قدرتها على العمل المشترك في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.

وتبرز أهمية هذا التعاون كذلك في تعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات الإفريقية، من خلال تقريب أساليب العمل واعتماد المعايير الدولية وتطوير المهارات اللازمة للعمل ضمن عمليات متعددة الأطراف، وهو ما يمكن أن يدعم بناء استجابة إفريقية أكثر تنسيقا واستقلالية في مجال الأمن والسلام.

وبالتوازي مع الجانب العملياتي، شدد المغرب على أهمية الاهتمام بالعامل البشري داخل عمليات السلام، مؤكدا استعداده لمواكبة مفوضية الاتحاد الإفريقي في إعداد استراتيجية خاصة بالدعم النفسي والاجتماعي للعاملين المشاركين في هذه العمليات.

ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن نجاح عمليات السلام لا يرتبط فقط بالجاهزية العسكرية والقدرات اللوجستية، وإنما يرتبط أيضا بقدرة الأفراد العاملين في الميدان على مواجهة الضغوط النفسية والظروف الصعبة التي تفرضها البيئات الأمنية المعقدة.

ومن هذا المنطلق، يولي المغرب أهمية لتعزيز قدرة العاملين على الصمود، والحفاظ على الرأسمال البشري، وتوفير مواكبة أفضل للأفراد المنتشرين في مناطق تشهد توترات أو أزمات، بما يجعل البعد الإنساني جزءا أساسيا من مقاربة دعم السلام.

ومع انتقال التهديدات الأمنية إلى مستويات جديدة، يفتح المغرب كذلك باب التعاون في مجال الأمن السيبراني، في ظل تزايد المخاطر التي تستهدف الأنظمة الرقمية والبنيات التحتية الحيوية، وظهور أنماط جديدة من التهديدات الهجينة التي تجمع بين أدوات ووسائل متعددة.

وفي هذا الجانب، أبدى المغرب استعداده لمواكبة مفوضية الاتحاد الإفريقي عبر تبادل الخبرات والتكوين المتخصص وتعميم الممارسات الجيدة، بما يساعد على رفع مستوى الحماية الرقمية وتعزيز قدرة المؤسسات الإفريقية على مواجهة المخاطر المرتبطة بالفضاء السيبراني.

ولا تتوقف المقاربة المغربية عند تبادل الخبرات والتكوين، إذ تشمل أيضا دعم التدريبات متعددة الجنسيات التي ينظمها الاتحاد الإفريقي، بما يتيح اختبار جاهزية القوات وتطوير آليات التنسيق بينها وتعزيز قدرتها على العمل المشترك في ظروف تحاكي الأزمات الحقيقية.

وفي هذا الإطار، يمكن للمغرب المساهمة في تخطيط وتنفيذ وتقييم التدريبات الإفريقية متعددة الجنسيات، مستفيدا من تجربته في تنظيم هذا النوع من الأنشطة، ومن بينها التدريب البحري AMANI AFRICA III، الذي يشكل إحدى الآليات العملية لتطوير التنسيق وقابلية التشغيل البيني بين القوات المشاركة.

وتكتسي مثل هذه التدريبات أهمية خاصة بالنسبة إلى القارة، لأنها تمنح القوات والمؤسسات الأمنية فرصة لتبادل التجارب واختبار طرق العمل وتطوير سرعة الاستجابة، فضلا عن تعزيز الثقة والتنسيق بين مختلف الأطراف المشاركة في عمليات السلام.

وبذلك، يطرح المغرب رؤية تقوم على توسيع مفهوم دعم السلام ليشمل أكثر من الجانب العسكري، عبر الجمع بين التكوين والتخطيط العملياتي والدعم اللوجستي والتعاون المؤسساتي والأمن السيبراني والمواكبة النفسية والتدريبات المشتركة.

ويعكس هذا التوجه رغبة في الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد اندلاعها إلى بناء قدرات قادرة على الوقاية منها والاستعداد لها وتدبير تداعياتها، بما يمنح الآليات الإفريقية قدرة أكبر على التعامل مع واقع أمني يتغير باستمرار.

وفي ظل استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها القارة، يضع المغرب خبرته وإمكاناته في إطار تعاون إفريقي أوسع، يقوم على التضامن وتقاسم المعرفة والخبرات، بهدف دعم بناء قدرات إفريقية قادرة على التعامل مع الأزمات بفعالية أكبر.

ويبرز من خلال هذه المقاربة أن مستقبل عمليات دعم السلام في إفريقيا يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدول والمؤسسات القارية على تطوير أدواتها بما يتلاءم مع طبيعة المخاطر الجديدة، وهو ما يجعل التعاون وتبادل الخبرات والتكوين المشترك عناصر أساسية في بناء منظومة أمنية إفريقية أكثر تنسيقا وقدرة على الاستجابة.

ومع تصاعد التهديدات التقليدية والهجينة والرقمية، يفتح هذا النقاش الباب أمام مرحلة جديدة من العمل الإفريقي المشترك، يكون فيها دعم السلام قائما على الجاهزية والوقاية والتنسيق، إلى جانب الاهتمام بالعنصر البشري وحماية البنيات الحيوية، بما يعزز جهود القارة نحو ترسيخ الأمن والاستقرار.