هجر إمغري
أعاد ملف حقوق المقاولين إلى الواجهة النقاش حول طريقة تدبير الصفقات العمومية على مستوى الجماعات الترابية، بعدما برزت مطالب تدعو إلى ضمان احترام الالتزامات التعاقدية وصرف المستحقات المالية في الآجال المحددة، بما يحفظ توازن العلاقة بين الإدارات والمقاولات ويجنب هذه الأخيرة ضغوطا مالية قد تؤثر على استمراريتها.
وأثار الموضوع انتباه عدد من الفاعلين الحقوقيين والاقتصاديين، خصوصا في ظل شكاوى تتحدث عن صعوبات تواجه بعض المقاولات في الحصول على مستحقاتها المرتبطة بالأشغال المنجزة. ويتعلق الأمر، وفق المعطيات المتداولة، بممارسات تتمثل في تأخر التأشير على الكشوفات الحسابية المرحلية أو ربط أداء المستحقات باستكمال المشروع بشكل كامل، فضلا عن حالات يتم فيها الحديث عن إنجاز أشغال إضافية لا تكون مدرجة ضمن الالتزامات الأصلية للعقد.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة للمقاولات الوطنية التي تعتمد على انتظام التدفقات المالية من أجل الوفاء بالتزاماتها تجاه الأجراء والموردين والمؤسسات المالية، إذ إن تأخر الأداء قد يحول مستحقات يفترض أن تدخل خزينة المقاولة في وقت محدد إلى عبء مالي يضغط على قدرتها على مواصلة نشاطها.
وفي هذا السياق، برزت دعوات إلى تعزيز احترام القواعد المؤطرة للصفقات العمومية، باعتبارها آلية أساسية لتنظيم العلاقة بين الإدارة ونائلي الصفقات، وضمان تنفيذ العقود وفق الشروط والآجال المتفق عليها. كما تركزت المطالب حول ضرورة التعامل مع المقاولات المتعاقدة وفق قواعد واضحة تقوم على الشفافية وحسن النية واحترام الالتزامات المتبادلة.
وتزداد أهمية هذه المطالب عندما يتعلق الأمر بالمقاولات الصغيرة والمتوسطة والمقاولين الشباب، الذين قد تكون قدرتهم على تحمل فترات طويلة من الانتظار محدودة مقارنة بالمقاولات الكبرى. فالمقاولة التي تنجز الأشغال وتتحمل تكاليف اليد العاملة والمواد والتجهيزات تنتظر في المقابل تسوية مستحقاتها وفق تقدم المشروع، وأي اختلال في هذه الدورة المالية قد ينعكس على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها اليومية.
كما يطرح ربط صرف المستحقات باستكمال المشروع برمته إشكالا عمليا بالنسبة للمقاولات، خصوصا عندما تنص آليات تنفيذ الصفقة على إمكانية أداء الأشغال المنجزة عبر كشوفات مرحلية تتناسب مع نسبة التقدم في الورش. ومن شأن احترام هذه الآليات أن يوفر للمقاولة السيولة اللازمة لمواصلة تنفيذ التزاماتها، بدل تحميلها أعباء إضافية طوال فترة إنجاز المشروع.
ومن جهة أخرى، يبرز ملف الأشغال الإضافية كأحد الجوانب التي تستدعي مزيدا من الوضوح في العلاقة التعاقدية، إذ يفترض أن تظل الأعمال المطلوبة من المقاول مرتبطة بالإطار القانوني والمالي المحدد في الصفقة، مع مراعاة الإجراءات المعمول بها عند ظهور حاجيات جديدة أو تعديلات مرتبطة بالمشروع.
وفي المقابل، تطرح حالات النزاع حول تنفيذ الصفقات أهمية وجود آليات فعالة للتحقق من الوقائع، خصوصا عندما يتقدم أحد المقاولين بشكاية تتعلق بمستحقات مالية عالقة أو بطريقة تنفيذ الصفقة. ويتيح اللجوء إلى آليات التفتيش والتحقيق الميداني إمكانية الوقوف على حقيقة الوضع، والاستماع إلى مختلف الأطراف المتدخلة، ومقارنة المعطيات التقنية والمالية بالوثائق المرتبطة بالمشروع.
وفي هذا الإطار، برزت حالة مقاول شاب بإقليم خنيفرة ضمن الملفات التي جرى التوقف عندها، مع المطالبة بالتحقيق في ظروف تنفيذ الصفقة موضوع التظلم. وتشمل المطالب المرتبطة بهذه الحالة إيفاد لجنة تفتيش مختصة للوقوف ميدانيا على المعطيات الواردة في الشكاية، والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، من مكتب الدراسات والمصلحة التقنية إلى المقاول المشتكي.
كما يرتبط التحقيق المقترح بحصر المستحقات المالية التي ما تزال عالقة، وتحديد ما إذا كانت هناك مبالغ مستحقة لفائدة المقاول، وذلك في أفق اتخاذ الإجراءات اللازمة لتمكينه من حقوقه في حال ثبوت استحقاقها. ويكتسي هذا الجانب أهمية كبيرة، لأن معالجة النزاعات على أساس المعطيات الميدانية والوثائق الرسمية تساهم في توضيح المسؤوليات وتفادي استمرار الخلافات لفترات طويلة.
وبالتوازي مع ذلك، تتجه المطالب المطروحة نحو توجيه تنبيه واضح إلى رؤساء الجماعات الترابية بضرورة احترام حقوق نائلي الصفقات العمومية، وعدم التعامل مع المستحقات المالية باعتبارها امتيازا إداريا، وإنما باعتبارها جزءا من الالتزامات المترتبة عن العقود المبرمة بين الأطراف.
ويشمل ذلك أيضا التشديد على ضرورة احترام دفاتر الشروط الإدارية والتقنية، باعتبارها المرجع الذي يحدد طبيعة الأشغال والالتزامات والمسؤوليات المرتبطة بكل صفقة. فوضوح هذه الشروط واحترامها أثناء مراحل التنفيذ يمكن أن يقللا من مساحة الخلاف بين المقاول والإدارة، كما يساعدان على ضمان سير المشاريع وفق المعايير والالتزامات المتفق عليها.
وفي السياق نفسه، يبرز التحذير من استعمال إجراءات الإلغاء أو الفسخ بطريقة قد تعتبرها المقاولات تعسفية، خصوصا إذا جاءت في سياق نزاع حول مستحقات مالية أو مطالب إجرائية. ويطرح هذا الجانب أهمية ضمان التوازن بين سلطة الإدارة في تدبير العقود وبين حماية الحقوق القانونية للطرف المتعاقد معها.
ولا ينفصل هذا النقاش عن وضعية النسيج الاقتصادي الوطني، إذ إن المقاولات المنخرطة في تنفيذ المشاريع العمومية تشكل جزءا من الدورة الاقتصادية، وتوفر فرص العمل وتتعامل مع عدد من الموردين والخدمات المرتبطة بالأوراش. وبالتالي، فإن انتظام أداء المستحقات لا يرتبط فقط بعلاقة إدارية بين الجماعة والمقاول، وإنما يمتد أثره إلى العاملين والموردين وباقي المتدخلين في النشاط الاقتصادي.
وفي المحصلة، يعيد ملف حقوق المقاولين التأكيد على أهمية بناء علاقة أكثر وضوحا وتوازنا بين الجماعات الترابية والمقاولات، تقوم على احترام العقود والالتزامات وآجال الأداء، إلى جانب توفير آليات فعالة لمعالجة الشكايات والنزاعات. كما يظل التحقيق في الحالات التي تثار بشأنها ادعاءات خطوة أساسية لتحديد المسؤوليات والوقائع على أساس المعطيات الميدانية والوثائق، بما يضمن حماية الحقوق حين يثبت استحقاقها، ويعزز في الوقت نفسه مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.







