أسماء ولد التهامي
في مثل هذا اليوم، 20 سبتمبر من سنة 1187، بدأت قوات صلاح الدين الأيوبي حصار مدينة القدس، بعد عقود من وقوعها تحت الاحتلال الصليبي، لتدخل المنطقة واحدة من أهم المحطات العسكرية والسياسية في تاريخ الحروب الصليبية.
ولم يكن المغاربة بعيدين عن هذه المعركة التاريخية، فقد شارك المقاتلون القادمون من بلاد المغرب في صفوف جيش صلاح الدين، وأسهموا في الانتصار بمعركة حطين والحملة العسكرية التي انتهت باستعادة القدس.
واشتهر المقاتلون المغاربة بالشجاعة والخبرة في القتال البري والبحري، ما جعلهم قوة بارزة داخل الجيش الذي واجه الصليبيين. وبعد تحرير المدينة، استقر عدد منهم بالقرب من المسجد الأقصى، لتظهر لاحقًا «حارة المغاربة» التي بقيت قرونًا شاهدة على ارتباط المغرب بالقدس.
القدس تحت الاحتلال الصليبي
بدأ الاحتلال الصليبي للقدس سنة 1099، عندما تمكنت قوات الحملة الصليبية الأولى من اقتحام المدينة والسيطرة عليها، بعد حصار انتهى بارتكاب مجازر واسعة في حق سكانها المسلمين واليهود.
وبعد سقوط المدينة، أسس الصليبيون مملكة القدس، واتخذوا منها مركزًا سياسيًا وعسكريًا لوجودهم في المنطقة. واستمر هذا الوضع قرابة تسعة عقود، في ظل انقسامات سياسية وعسكرية بين القوى الإسلامية المحيطة بالممالك الصليبية.
لكن صعود صلاح الدين الأيوبي ونجاحه في توحيد مصر والشام تحت قيادة واحدة غيّرا موازين القوى. فقد أدرك أن استعادة القدس لا يمكن أن تتحقق من خلال معركة منفردة، وإنما تحتاج إلى بناء قوة عسكرية موحدة وإنهاء الانقسامات التي ساعدت الصليبيين على تثبيت وجودهم.
وعمل صلاح الدين سنوات على توحيد الجبهة الإسلامية وحشد القوات وتأمين طرق الإمداد، قبل أن يبدأ المواجهة الكبرى مع مملكة القدس وحلفائها.
المغاربة في جبهات المشرق
كان حضور المغاربة في المشرق سابقًا لمعركة حطين وفتح القدس. فقد انتقل عدد من العلماء والمتصوفة والحجاج والمقاتلين من بلاد المغرب والأندلس إلى مصر والشام وفلسطين، وانضم كثير منهم إلى الجيوش الإسلامية التي كانت تقاوم الحملات الصليبية.
واشتهر المقاتلون القادمون من المغرب بخبرتهم البحرية، نتيجة الحروب التي خاضوها في غرب البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب قدرتهم على خوض المعارك البرية.
وأصبح المغاربة من العناصر التي اعتمد عليها المسلمون في مواجهة الصليبيين، سواء في حماية السواحل ومواجهة السفن المعادية أو في المعارك التي جرت داخل بلاد الشام وفلسطين.
وشكّل المقاتلون المغاربة قوة مهمة داخل جيش صلاح الدين، وشاركوا إلى جانب المقاتلين القادمين من مصر والشام والعراق والجزيرة العربية في المعارك التي سبقت تحرير القدس.
معركة حطين تفتح الطريق إلى القدس
جاء التحول العسكري الحاسم في الرابع من يوليوز سنة 1187، عندما التقى جيش صلاح الدين بالقوات الصليبية قرب قرون حطين، في معركة أصبحت واحدة من أشهر المواجهات في تاريخ الحروب الصليبية.
استدرج صلاح الدين الجيش الصليبي بعيدًا عن مصادر المياه، بينما كانت حرارة الصيف والعطش ينهكان الجنود والفرسان. وفرضت القوات الإسلامية حصارًا تدريجيًا على الجيش الصليبي، قبل أن تبدأ هجومًا واسعًا أدى إلى تفكك صفوفه.
وانتهت المعركة بهزيمة قاسية للصليبيين وأسر عدد من قادتهم، يتقدمهم ملك القدس غي دي لوزينيان. كما فقدت الممالك الصليبية جزءًا كبيرًا من قوتها العسكرية، وأصبحت مدنها وقلاعها مكشوفة أمام تقدم جيش صلاح الدين.
ولم يتوقف الجيش الأيوبي طويلًا بعد انتصار حطين، بل بدأ حملة واسعة لاستعادة المدن والمواقع الخاضعة للصليبيين، فسقطت تباعًا مدن وموانئ مهمة، بينما بقيت القدس الهدف الأكبر.
وكان المغاربة ضمن المقاتلين الذين شاركوا في هذه الانتصارات، قبل أن يتحرك الجيش نحو المدينة التي ظلت تحت الحكم الصليبي منذ سنة 1099.
بداية حصار القدس
وصلت قوات صلاح الدين إلى القدس وبدأت حصارها يوم 20 سبتمبر 1187. وكانت المدينة تضم أعدادًا كبيرة من السكان واللاجئين الذين فروا إليها بعد سقوط المناطق المحيطة بها.
وعانت القدس نقصًا في الجنود القادرين على الدفاع عنها، بعدما فقد الصليبيون معظم قواتهم في معركة حطين. وتولى باليان دي إبلين تنظيم الدفاع، فعمل على تجنيد الرجال القادرين على حمل السلاح والاستعداد لمواجهة جيش صلاح الدين.
وحاول صلاح الدين في البداية التوصل إلى اتفاق يسمح بتسليم المدينة دون قتال، تجنبًا لإراقة الدماء والإضرار بالمقدسات. غير أن المفاوضات الأولى لم تصل إلى نتيجة، لتبدأ المواجهات حول الأسوار.
هاجمت القوات الأيوبية المدينة من أكثر من جهة، لكنها واجهت مقاومة قوية من المدافعين. وبعد أيام، غيّر صلاح الدين موقع قواته وركز الهجوم على أجزاء أقل قوة من تحصينات القدس.
واستخدم الجيش آلات الحصار، وواصل الرماة إطلاق السهام لتأمين تقدم الجنود نحو الأسوار. وبعد اشتباكات متواصلة، نجحت القوات الإسلامية في إحداث ثغرة وتهديد المدينة بالاقتحام.
ومع تراجع قدرة المدافعين على الصمود، أدرك باليان دي إبلين أن استمرار القتال سيؤدي إلى اقتحام القدس بالقوة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فعاد إلى التفاوض مع صلاح الدين بشأن شروط الاستسلام.
تسليم القدس لصلاح الدين
انتهت المفاوضات إلى تسليم القدس مقابل دفع فدية مالية، مع السماح للسكان الصليبيين بالخروج من المدينة. كما تدخل صلاح الدين وأفراد أسرته وعدد من قادته لإطلاق سراح أعداد من الفقراء الذين عجزوا عن دفع الفدية.
وفي الثاني من أكتوبر 1187، الموافق للسابع والعشرين من رجب سنة 583 للهجرة، دخلت قوات صلاح الدين الأيوبي القدس بعد حصار استمر نحو اثني عشر يومًا، لتنتهي قرابة 88 عامًا من الحكم الصليبي للمدينة.
واختلف دخول صلاح الدين إلى القدس عن الطريقة التي دخلت بها القوات الصليبية المدينة سنة 1099، فلم تشهد عمليات قتل جماعي أو انتقام من السكان.
وسمح للمسيحيين الشرقيين بالبقاء في القدس، كما أعيد فتح المدينة أمام المسلمين واليهود. وغادر قسم من السكان الصليبيين بعد دفع الفدية، بينما أطلق صلاح الدين وقادته سراح أعداد أخرى منهم.
وأمر صلاح الدين بإعادة المسجد الأقصى وقبة الصخرة إلى وضعهما الإسلامي وإزالة التغييرات التي أدخلها الصليبيون عليهما. كما نظفت ساحات المسجد وأقيمت فيه صلاة الجمعة من جديد.
وأصبحت استعادة القدس تتويجًا للمشروع الذي عمل عليه صلاح الدين سنوات، والقائم على توحيد القوى الإسلامية وإنهاء التفوق العسكري الصليبي في المنطقة.
لماذا أبقى صلاح الدين المغاربة في القدس؟
بعد انتهاء المعركة، اختار عدد من المقاتلين المغاربة البقاء في المدينة بدل العودة إلى بلدانهم. وكان وجودهم بالقرب من المسجد الأقصى امتدادًا للدور الذي أدوه في القتال والدفاع عن القدس.
وتنقل الروايات التاريخية عن صلاح الدين قوله بشأن المغاربة: «أسكنت هناك من يثبتون في البر ويبطشون في البحر، وخير من يؤتمنون على المسجد الأقصى وعلى هذه المدينة».
وجسدت هذه العبارة المكانة التي حظي بها المقاتلون المغاربة لدى صلاح الدين، وثقته بشجاعتهم وقدرتهم على حماية القدس والمسجد الأقصى.
واستقر المغاربة في منطقة ملاصقة للمسجد الأقصى. وبعد وفاة صلاح الدين، أوقف ابنه الملك الأفضل نور الدين علي المنطقة المجاورة لحائط البراق على المغاربة المقيمين في القدس والقادمين إليها.
وكان الهدف من الوقف توفير السكن والخدمات للحجاج والعلماء والمقاتلين القادمين من بلاد المغرب، وتشجيعهم على الإقامة بالقرب من المسجد الأقصى.
ومنذ ذلك التاريخ، عُرفت المنطقة باسم «حارة المغاربة»، وتحولت إلى حي كامل عاش فيه المغاربة وأحفادهم عدة قرون.
حارة المغاربة.. شاهد على الحضور المغربي
كانت حارة المغاربة تقع في الجهة الجنوبية الغربية من المسجد الأقصى، بجوار حائط البراق. وضمت مساكن ومدارس وزوايا ومرافق دينية واجتماعية تخدم السكان والحجاج القادمين من المغرب والأندلس وشمال إفريقيا.
ومع مرور الوقت، أصبحت الحارة جزءًا من النسيج الاجتماعي للقدس، واستقرت فيها عائلات مغربية حافظت على علاقتها بالمدينة والمسجد الأقصى.
ولم يكن وجود المغاربة في القدس عسكريًا فقط، بل تحول إلى حضور ديني وعلمي واجتماعي. فقد قدم إليها العلماء والفقهاء والمتصوفة، وأقيمت الأوقاف والزوايا لاستقبال الحجاج وخدمة المحتاجين.
واستمرت حارة المغاربة قائمة حتى يونيو سنة 1967، عندما هدمتها السلطات الإسرائيلية بعد احتلال القدس الشرقية. وهُدمت منازلها ومنشآتها لإقامة ساحة واسعة أمام حائط البراق، وهُجّر سكانها وفقدوا الحي الذي عاشوا فيه أجيالًا متعاقبة.
ورغم هدم الحارة، بقي «باب المغاربة» واحدًا من أشهر أبواب المسجد الأقصى، وظل اسمه شاهدًا على الوجود المغربي التاريخي في القدس.
يعقوب المنصور ودعم صلاح الدين
كان يعقوب المنصور الموحدي يحكم المغرب خلال المرحلة التي خاض فيها صلاح الدين مواجهاته الكبرى مع الصليبيين. وارتبط اسم السلطان الموحدي بالمراسلات التي وجهها إليه صلاح الدين طلبًا للدعم البحري لمواجهة الأساطيل الصليبية وتأمين السواحل.
وكانت دولة الموحدين تمتلك قوة بحرية كبيرة وخبرة واسعة في مواجهة السفن الأوروبية في غرب البحر الأبيض المتوسط، وهو ما جعل دعمها مطلوبًا خلال المواجهة مع الحملات الصليبية.
ويؤكد هذا التواصل أن العلاقة بين المغرب وقضية القدس لم تبدأ في العصر الحديث، بل تعود إلى قرون، حين شارك المغاربة في المعارك واستقروا بجوار المسجد الأقصى وأسهموا في حماية المدينة.
استعادة القدس تشعل الحملة الصليبية الثالثة
أحدث سقوط القدس صدمة كبيرة في أوروبا، بعدما فقد الصليبيون المدينة التي شكلت مركز وجودهم في المنطقة. وسرعان ما بدأت الدعوات إلى تنظيم حملة عسكرية جديدة لاستعادتها.
وانطلقت الحملة الصليبية الثالثة بمشاركة ريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وفيليب الثاني ملك فرنسا، وفريدريك بربروسا إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
وخاض صلاح الدين مواجهات جديدة ضد الجيوش القادمة من أوروبا، غير أن الحملة لم تنجح في استعادة القدس. وانتهت المواجهات بعقد صلح سمح للحجاج المسيحيين بزيارة الأماكن المقدسة، مع بقاء المدينة تحت الحكم الإسلامي.
وهكذا لم يكن يوم 20 سبتمبر 1187 مجرد بداية لحصار عسكري، بل كان بداية تحول سياسي وتاريخي غيّر موازين القوى في المنطقة وأنهى الحكم الصليبي للقدس.
وفي قلب هذه المحطة بقي الحضور المغربي حاضرًا، من المقاتلين الذين شاركوا في صفوف جيش صلاح الدين إلى العائلات التي استقرت بجوار المسجد الأقصى، ثم إلى حارة المغاربة وباب المغاربة اللذين حملا اسم المغرب قرونًا طويلة.
وبذلك أصبح ارتباط المغاربة بالقدس جزءًا ثابتًا من تاريخ المدينة، بدأ بالمشاركة في معارك تحريرها، ثم تحول إلى وجود مستمر جسدته الأوقاف والعائلات والزوايا المغربية حتى هدم حارة المغاربة سنة 1967.






