إعلان
980×90
مساحة إعلانية
اقتصاد

ملعب أدرار بأكادير بين كلفة التأهيل وأسئلة الهدم

20:54 · 08/10/2026

منال الهداوي

أعاد الهدم شبه الكلي لملعب أدرار بمدينة أكادير فتح النقاش حول مستقبل المنشآت الرياضية بالمغرب، في ظل الأشغال الجارية لإعادة تأهيل هذا الصرح الرياضي استعدادا للاستحقاقات الكروية المقبلة، وفي مقدمتها نهائيات كأس العالم 2030. وبينما تستهدف عملية التأهيل تحديث الملعب والارتقاء بمواصفاته التقنية، تتصاعد تساؤلات بشأن جدوى إزالة أجزاء واسعة من منشأة سبق أن احتضنت مباريات قارية، ومدى إمكانية الحفاظ على بنيتها السابقة بالتوازي مع تشييد ملعب جديد يستجيب للمعايير الدولية.

وأثار التغيير الكبير الذي طال معالم الملعب نقاشا بين متابعين للشأن الرياضي وفعاليات محلية، خاصة أن أدرار لم يكن مجرد فضاء لاحتضان مباريات كرة القدم، بل شكل لسنوات جزءا من البنية الرياضية لمدينة أكادير وجهة سوس ماسة. وترى أصوات مؤيدة لفكرة الحفاظ على المنشأة القديمة أن استمرار استغلالها في المنافسات الوطنية كان يمكن أن يوفر فضاء إضافيا للأندية والفرق، في وقت يتزايد فيه الاهتمام بتطوير البنيات التحتية الرياضية وتوسيع قاعدة الممارسة الكروية.

وفي المقابل، يطرح مشروع إعادة التأهيل توجها يرمي إلى إحداث تغييرات عميقة في تصميم الملعب، بما يسمح بتقريبه من متطلبات كرة القدم الحديثة، خصوصا على مستوى المدرجات والرؤية المباشرة لأرضية اللعب وتطوير المرافق المحيطة بها. غير أن حجم الأشغال الجارية جعل النقاش يتجاوز الجانب الهندسي، ليمتد إلى طبيعة الاختيارات المعتمدة في تدبير المنشآت الرياضية، والبدائل التي كان من الممكن دراستها قبل الشروع في هذه المرحلة من المشروع.

إقرأ أيضا : فيفا-يعيد-خلط-الأوراق-بشأن-ملعب-نهائي

وتعود أهمية هذا النقاش إلى المكانة التي يحتلها ملعب أدرار داخل المشهد الرياضي المحلي والوطني، منذ افتتاحه في أكتوبر 2013، بعدما بلغت كلفة إنجازه آنذاك نحو 860 مليون درهم. وقد شكل الملعب إضافة مهمة للبنية التحتية الرياضية بالمدينة، واستقبل مباريات وتظاهرات كروية مختلفة، قبل أن يخضع بدوره لأشغال تهيئة استعدادا لاحتضان منافسات كأس أمم إفريقيا 2025.

وشملت تلك الأشغال السابقة إزالة مضمار ألعاب القوى ورفع الطاقة الاستيعابية للملعب، في إطار تحسين ظروف استقبال الجماهير وتطوير تجربة متابعة المباريات. وبلغت الكلفة المالية المرتبطة بهذه العملية، وفق المعطيات المتداولة، حوالي 900 مليون سنتيم، وهو ما أعاد إلى الواجهة مسألة تواتر عمليات التأهيل وحجم الاستثمارات التي تتطلبها المنشآت الرياضية الكبرى خلال فترات زمنية متقاربة.

ومع انطلاق أشغال جديدة خلال سنة 2026، انتقل المشروع إلى مرحلة أكثر عمقا، إذ لم تعد العملية مقتصرة على إصلاحات محدودة أو تحديث بعض التجهيزات، بل أصبحت تشمل إعادة تشكيل أجزاء رئيسية من الملعب. وتتضمن الأشغال هدم المدرجات وإعادة هندسة الفضاء الداخلي، إلى جانب خفض مستوى أرضية الملعب بنحو أربعة أمتار، وإزالة الحلبة المطاطية التي كانت تفصل الجمهور عن المستطيل الأخضر.

ومن المنتظر أن تسهم هذه التغييرات في تقريب المدرجات من أرضية اللعب، بما يعزز الرؤية ويمنح الجماهير تجربة مشاهدة أكثر قربا من أجواء المباريات. كما يندرج المشروع ضمن مساعي تطوير البنيات الرياضية الوطنية لتكون قادرة على استضافة منافسات كبرى وفق المتطلبات المعتمدة دوليا. ومع ذلك، فإن هذه الأهداف لا تلغي الأسئلة التي يثيرها حجم الهدم، خاصة لدى من كانوا يفضلون الاحتفاظ بالملعب السابق وتخصيص منشأة مستقلة للمنافسات الكبرى.

وفي هذا السياق، برز مقترح يقوم على الإبقاء على ملعب أدرار بصيغته السابقة، مع بناء ملعب جديد بمواصفات دولية في محيطه أو في موقع آخر داخل المدينة. ويستند هذا التصور إلى إمكانية الاستفادة من المساحات المتاحة بأكادير لتوفير منشأتين رياضيتين، إحداهما موجهة أساسا إلى المنافسات المحلية، والثانية مخصصة للتظاهرات الدولية الكبرى.

ويعيد هذا المقترح طرح سؤال التخطيط بعيد المدى، ومدى قدرة المدن المستضيفة على تحقيق التوازن بين متطلبات تنظيم التظاهرات العالمية والحاجيات اليومية للأندية والجماهير. فوجود أكثر من ملعب بمواصفات مناسبة قد يمنح المدينة مرونة أكبر في تنظيم المباريات، ويساعد على توزيع الأنشطة الرياضية، كما يمكن أن يساهم في تخفيف الضغط على المنشآت الرئيسية خلال فترات المنافسات المكثفة.

وعلى المستوى المالي، يتوزع مشروع تأهيل ملعب أدرار على صفقتين رئيسيتين. وتبلغ قيمة الصفقة الأولى نحو 1.08 مليار درهم، وتشمل الأشغال الكبرى المرتبطة بتغيير البنية التحتية وتكييفها مع معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم. أما الصفقة الثانية، فتصل قيمتها إلى حوالي 948.3 مليون درهم، وتتعلق بإنجاز الشطر الثاني من عملية التأهيل، بما يشمل تغطية المدرجات وإعادة تهيئة الواجهة الخارجية للملعب باستخدام الهيكل المعدني للسقف والواجهات.

وتندرج هذه الاستثمارات ضمن برنامج وطني لتحديث المنشآت الرياضية استعدادا لاستضافة كأس العالم 2030، في إطار توجه يرمي إلى توفير ملاعب قادرة على احتضان مباريات ذات مستوى تنظيمي وتقني مرتفع. وإلى جانب أشغال الملعب نفسه، خصص غلاف مالي يصل إلى 274 مليون درهم لتهيئة محيطه، بما يشمل الإنارة والمنتزهات الحضرية وتحسين الفضاءات الخارجية.

وتبرز هذه الأرقام حجم الورش المفتوح في أكادير، لكنها تفسر أيضا جانباً من أسباب اتساع النقاش حول المشروع. فحين يتعلق الأمر باستثمارات عمومية كبيرة، لا ينحصر الاهتمام في النتيجة النهائية أو الشكل المعماري للمنشأة، بل يمتد إلى كيفية تحديد الأولويات، ودراسة البدائل الممكنة، وضمان الاستفادة المثلى من الأموال المرصودة على المدى الطويل.

كما يطرح المشروع تحديا مرتبطا بمستقبل كرة القدم المحلية في المدينة، إذ تحتاج الأندية إلى ملاعب مناسبة للتدريب وإجراء المباريات الرسمية، بعيدا عن الضغط الذي قد تفرضه الاستعدادات لاستضافة التظاهرات الكبرى. ويظل توفير بنية رياضية متعددة الاستخدامات من العناصر المهمة لضمان استمرارية النشاط الكروي، خصوصا في المدن التي تتطلع إلى الجمع بين احتضان المنافسات الدولية وتطوير الرياضة على المستوى المحلي.

وفي انتظار اكتمال الأشغال وظهور الصورة النهائية للملعب بعد إعادة تأهيله، سيبقى الجدل مرتبطا بمدى قدرة المشروع على تحقيق أهدافه الرياضية والعمرانية، وبحجم المكاسب التي ستعود على أكادير وجماهيرها وأنديتها. فالتحدي لا يتعلق فقط بتشييد ملعب حديث، بل أيضا بضمان استدامة الاستثمار وتوفير منشآت تستجيب للحاجيات المستقبلية للمدينة.

وبين طموح تحديث ملعب أدرار والاستفسارات التي أثارها الهدم شبه الكلي، تتجه الأنظار إلى المراحل المقبلة من المشروع، لمعرفة ما إذا كانت المنشأة الجديدة ستنجح في الجمع بين المواصفات الدولية ومتطلبات الرياضة المحلية. ويبقى النقاش حول الحفاظ على البنية السابقة أو إعادة بنائها مؤشرا على أهمية إشراك الرأي المحلي في النقاشات المرتبطة بالمشاريع الرياضية الكبرى، بما يضمن تحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على المكتسبات.