كوثر بوجوال
دعا وسيط المملكة، حسن طارق، إلى تعميق وتجديد السردية الوطنية المغربية بما يواكب التحولات الثقافية والاجتماعية، ويساهم في تعزيز شعور الأجيال الشابة بالانتماء إلى وطنها وهويتها، مؤكداً أهمية استحضار التاريخ الوطني ورموزه ومؤسساته في بناء وعي جماعي متجدد.
وجاءت هذه الدعوة خلال درس افتتاحي ألقاه، مساء السبت 10 أكتوبر 2026 بمدينة طنجة، بمناسبة افتتاح الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب والنشر بجهة طنجة تطوان الحسيمة، الذي يشكل موعداً ثقافياً يجمع المهتمين بالكتاب والفكر والإبداع.
واعتبر حسن طارق أن تجديد السردية الوطنية وتعميق مضامينها يمثلان مدخلاً أساسياً للإدماج الثقافي للشباب، من خلال تمكينهم من فهم أعمق للتاريخ المغربي والعناصر التي ساهمت في تشكيل الهوية الوطنية عبر مختلف المراحل.
واستند في مداخلته إلى الأفكار التي يتناولها كتاب «نحن أمة… السرد الوطني، سؤال المنهج وعتبات الفهم»، الذي ألفه بالاشتراك مع المؤرخ الطيب بياض، والصادر عن منشورات باب الحكمة.
تجديد السردية الوطنية لتعزيز انتماء الشباب
أكد وسيط المملكة أن السردية الوطنية لا تقتصر على استحضار الأحداث التاريخية، بل ترتبط أيضاً بالطريقة التي تعرف بها الجماعات الوطنية نفسها، وتفهم من خلالها تاريخها ورموزها ومؤسساتها.
وأوضح أن التفكير في تجديد هذه السردية يفتح المجال أمام نقاشات تاريخية وفلسفية ومنهجية حول مفهوم الأمة، والعلاقة بين الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية، وكيفية انتقال عناصر الانتماء بين الأجيال.
ويطرح هذا التوجه أهمية تقديم التاريخ الوطني للأجيال الشابة باعتباره مساراً متكاملاً تشكل عبر تفاعلات سياسية وثقافية واجتماعية متعاقبة، بما يساعد على استيعاب الخصوصيات التي تميز التجربة المغربية.
وفي هذا السياق، توقف حسن طارق عند تشكل السردية الوطنية المغربية، مستعرضاً ارتباطها التاريخي بعراقة الدولة المغربية، ومكانة المكونات الثقافية والدينية في صياغة الهوية المشتركة.
كما تناول العلاقة بين الهوية المغربية والعروبة والإسلام، إلى جانب المكانة الرمزية للمؤسسة الملكية باعتبارها تعبيراً عن السيادة الوطنية واستمرارية الدولة ومؤسساتها.
ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ظل تنوع الوسائط التي يعتمد عليها الشباب في اكتساب المعرفة التاريخية والثقافية، وما يطرحه ذلك من أسئلة بشأن أساليب تقديم الذاكرة الوطنية ومضامينها.
المسيرة الخضراء والإنصاف والمصالحة في بناء الذاكرة الوطنية
استعرض حسن طارق عدداً من المحطات التي أسهمت في ترسيخ السردية الوطنية المغربية، مبرزاً الدور الذي اضطلعت به الدولة المستقلة في تطوير مضامينها وتعزيز حضورها في الوعي الجماعي.
وتوقف عند المسيرة الخضراء باعتبارها إحدى المحطات الكبرى في التاريخ المغربي الحديث، لما تحمله من رمزية مرتبطة بالوحدة الترابية والتعبئة الوطنية حول قضية الصحراء المغربية.
كما استحضر تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، التي شكلت محطة بارزة في مسار معالجة انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالماضي، وتعزيز المصالحة وترسيخ النقاش العمومي حول الذاكرة والعدالة.
وتعكس هاتان المحطتان جانباً من تعدد المداخل التي تتشكل من خلالها السردية الوطنية، بين الأحداث المرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية والتجارب المؤسساتية التي ساهمت في تطور الدولة والمجتمع.
ويتيح استحضار هذه التجارب في النقاش الثقافي فرصة لربط التاريخ السياسي المغربي بالتحولات التي عرفتها المملكة، مع إبراز أدوار المؤسسات والأحداث والشخصيات في بناء الذاكرة الجماعية.
كتاب «نحن أمة» يفتح نقاشاً حول الهوية والتاريخ
شكل كتاب «نحن أمة… السرد الوطني، سؤال المنهج وعتبات الفهم» محوراً رئيسياً في الدرس الافتتاحي الذي قدمه حسن طارق، حيث استعرض عدداً من الإشكالات النظرية والتاريخية المرتبطة بمفهوم الأمة والسرد الوطني.
ويتناول المؤلف، الذي أنجزه حسن طارق بالتعاون مع المؤرخ الطيب بياض، أسئلة تتعلق بكيفية بناء المجتمعات لسردياتها الوطنية، والعناصر التي تعتمد عليها في تفسير ماضيها وتحديد معالم هويتها الجماعية.
ولا يقتصر الكتاب على الحالة المغربية، بل يستحضر تجارب مقارنة من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وتونس، بما يسمح بمناقشة أوجه الاختلاف والتقاطع بين نماذج متعددة في بناء السرديات الوطنية.
وتتيح هذه المقاربة المقارنة توسيع النقاش حول العلاقة بين التاريخ والهوية والمؤسسات، وفهم الكيفية التي تتطور بها التصورات الجماعية للأمة تبعاً للسياقات السياسية والثقافية الخاصة بكل مجتمع.
وجاء تقديم هذه الأفكار ضمن فعاليات الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب والنشر بجهة طنجة تطوان الحسيمة، المنظمة تحت شعار «طنجة، مرفأ الخيال ومرسى الكتاب».
وتتواصل فعاليات المعرض إلى غاية 16 أكتوبر الجاري، في إطار برنامج ثقافي يحتفي بالكتاب والنشر، ويوفر فضاءً للنقاش وتبادل الأفكار حول قضايا الفكر والثقافة والمجتمع.
ويضع الدرس الافتتاحي الذي قدمه وسيط المملكة مسألة تجديد السردية الوطنية في صلب النقاش الثقافي، من خلال الدعوة إلى تعميق معرفة الأجيال الجديدة بتاريخ المغرب وخصوصيات تجربته الوطنية، وتعزيز ارتباطها بالمكونات المشتركة لهويته ومؤسساته.








