في زمن طغت فيه التسميات والألقاب على جوهر الأفكار، تبرز ظاهرة “متلازمة الكوفيين” كإحدى الإشكاليات الفكرية التي رافقت الساحة المغربية لعقود. هذه المتلازمة، التي انطلقت تاريخياً في الأوساط اليسارية، سرعان ما تبنّتها بعض التيارات الإسلامية، لتصبح أداة ضغط واستقطاب، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي ركبتها كثير من الدول التي تدّعي الثورية، ليس حباً بفلسطين، بل لتغطية فشلها الذريع في توفير الحد الأدنى من الكرامة لشعوبها.
المغرب وفلسطين: تعاطف راسخ ومواقف ثابتة
من باب الإنصاف، لا يمكن إنكار أن الشعب المغربي يكنّ تعاطفاً تاريخياً عميقاً مع الشعب الفلسطيني. وهذا التعاطف ليس وليد اللحظة، بل تجسّد في مواقف مشرفة على المستويين الشعبي والرسمي، وهو ما عبّر عنه المغرب بإطلاق اسم “حي المغاربة” على أحد أحياء القدس الشريف. لكن، في المقابل، لا يمكن التغاضي عن بعض المواقف الفلسطينية المؤلمة، كاعتراف ياسر عرفات بالانفصاليين، أو مواقف حركة حماس، القريبة من طهران، التي لم تخفِ عداءها للمغرب ومصالحه. وهنا يطرح السؤال: هل التعاطف مع القضية يعني التضحية بمصالح الوطن؟
جوهر الخلاف مع “الكوفيين”: صراع مبادئ لا أشخاص
خلافي مع “الكوفيين” ليس شخصياً، بل هو خلاف جوهري يتعلق بتصورنا لدور الدولة. فأنا أؤمن بأن الدولة خُلقت لخدمة المواطن، وتحسين وضعه المعيشي، والأمن والاستقرار هما الغاية القصوى. وفي هذا السياق، إذا كان غزو الفضاء، أو عقد تحالفات معينة، يحققان هذه الغاية، فلماذا لا نقدم عليهما؟ أما “الكوفيون” فيرون الأمور من زاوية أيديولوجية ضيقة، لا تراعي مصالح المغاربة ولا أولوياتهم التنموية.
كذبة “العلاقات مع إسرائيل تضر المغرب”
من أكثر المغالطات التي يروّجها “الكوفيون” هي مقولة إن تطبيع العلاقات مع إسرائيل يضر بالمغرب. وهذه، بكل وضوح، كذبة مدلّسة، تستهدف استدراج المغاربة عاطفياً. فالواقع يقول إن هذه العلاقة لم تضر بالملف الفلسطيني، ولم تضر بتركيا أو قطر، بل على العكس، كانت العلاقات التركية القطرية مع إسرائيل مفيدة في مراحل معينة من المسار التفاوضي. لكن دعونا نكن صريحين: أنا لست هنا للدفاع عن فلسطين، فهذه مسؤولية أبنائها، وإنما أدافع عن مصلحة بلادي أولاً وأخيراً. فحلف الممانعة، بقيادة إيران، هو العدو الحقيقي لأبناء المنطقة، بدليل أن الاحتجاجات في إيران مشتعلة بسبب الفقر والظلم، وكذلك الحال في سوريا ولبنان واليمن، والقائمة تطول.
مكاسب العلاقة مع إسرائيل: واقع لا يمكن إنكاره
لقد أقام المغرب علاقته مع إسرائيل على أسس متينة من التوازن الاستراتيجي كما هو الحال مع كل الدول التي تربطنا بها اهداف مشتركة، لا اقل و لا اكثر
المغاربة في إسرائيل: بين التجريم والواقعية
ثمة نقطة تغفل عنها النخبة “الكوفية”، ألا وهي وجود أكثر من نصف مليون مواطن مغربي في الديار الإسرائيلية. هؤلاء ليسوا خونة، بل هم مغاربة، حملوا جنسيتهم الثانية لكنهم لم يتخلوا عن هويتهم الأولى. ولم يثبت أنهم تآمروا على المغرب أو أضروا بمصالحه. فكيف نطالب بمحاسبتهم، بينما نغض الطرف عن أولئك الذين يبايعون قوى الظلام داخل الوطن و خارجه و الدين يتعاطفون مع اعدا المغرب، ويسعون لزعزعة استقراره؟ المنطق هنا مفقود تماماً عند “الكوفيين”.
التعاطف لا يعني الولاء
يجب على الناشط والمفكر والسياسي “الكوفي” أن يفرّق بين التعاطف مع قضية ما والولاء لها. لنأخذ مثالاً واضحاً: وقف المغرب والعديد من الدول مع قضية جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري، ومع ذلك لم تقطع هذه الدول علاقاتها مع بريطانيا، التي كانت داعمة للنظام العنصري، ولم تقاطع جنوب إفريقيا بعد التغيير. السياسة ليست عواطف، بل هي مصالح وحسابات دقيقة. نحن نتعاطف مع الفلسطينيين، لكننا لن نضع مصلحة المغرب رهينة لأي طرف خارجي.
قراءة في التاريخ: المشرق والمغرب.. مساران مختلفان
“متلازمة الكوفي” ليست مجرد اختلاف في الرأي، بل هي كارثة فكرية، لأن صاحبها يحاول ربط المغرب بالمشرق، مرة بالقضية الفلسطينية، ومرة بالدين، ومرة بالعروبة والقومية، متناسياً أن أغلب “الكوفيين” لم يزوروا المشرق يوماً، ولم يلمسوا حجم الاختلاف الثقافي والتاريخي بين الضفتين. المغرب، عبر تاريخه، كان دائماً حريصاً على استقلالية قراره، وهذا ما أجبرنا كمغاربة على تطوير رؤيتنا الخاصة للأمور. بينما كان سفراء المغرب يجوبون العالم لخدمة وطنهم، كانت نخب المشرق إما تبايع الخلفاء، أو ترسل التقارير للإمبراطوريات التي كانت تحكمها. هذه الحقيقة التاريخية يجب أن يستوعبها “الكوفيون” جيداً قبل أن يتحدثوا باسم الأمة.
إيران ونموذج الممانعة: درس في الفشل
لنعد إلى عام 1979، حيث غيّرت إيران وجهتها نحو الثورية الإسلامية الشيعية، وحوّلت أجندتها من خدمة الإنسان إلى تصدير الأزمات ودعم الكيانات الإرهابية. وكانت فلسطين ولبنان الضحية الأولى لهذه السياسة. واليوم، وبعد أكثر من أربعين عاماً، لا يزال الشعب الإيراني يعاني الفقر والحصار، رغم امتلاك بلاده ثروات هائلة من النفط والغاز. وهذا يؤكد أن دعم المقاومة لم يكن إلا غطاءً لمكاسب شخصية ضيقة لنظام فاسد ومتآكل.
لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين
علينا أن ندرك حقيقة ذهبية: لا يمكننا أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم. فعندما كان المغرب يناضل من أجل استقلاله، وجد دولاً وشعوباً متعاطفة، لكنها لم تضع مصلحتها جانباً من أجله. بل إن بعض الدول كانت تدعمنا لتعزيز نفوذها، أو لتحقيق مكاسب شعبوية على الساحة الدولية. وهذا درس يجب أن نستخلصه: القضية الفلسطينية نبيلة، لكنها ليست مبرراً لتدمير مصالح المغرب.
الخلاصة: المصلحة الوطنية هي البوصلة
في النهاية، إسرائيل دولة معترف بها دولياً، ولها ما لها وعليها ما عليها، مثلها مثل أي دولة أخرى. علاقتنا معها ليست تقديساً، بل هي خيار استراتيجي قائم على المصلحة الوطنية، وقد أثبتت جدواها في عدة قطاعات. وكما تقول قاعدة السياسة: اليوم أصدقاء، وغداً قد يتغير كل شيء حسب المصالح. المغرب، كدولة سيادية، يبني علاقاته الخارجية وفق أهدافه التنموية والأمنية، ومصلحتنا العليا هي التي تحدد مسار التقارب والتباعد مع الآخرين، لا العواطف ولا الأيديولوجيات المستوردة.




